من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر
أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق بن ماهان الخزاعي؛ - تقدم ذكر أبيه وجده وما كانا عليه من التقدم وعلو المنزلة عند المأمون، وتوليتهما خراسان وغيرها - وكان عبيد الله المذكور أميراً، ولي الشرطة ببغداد خلافةً عن أخيه محمد بن عبد الله، ثم استقل بها بعد موت أخيه، وكان سيداً، وإليه انتهت رياسة أهله، وهو آخر من مات منهم رئيساً ولهم من الكتب المصنفة كتاب " الإشارة في أخبار الشعراء " وكتاب " رسالة في السياسة الملوكية " وكتاب مراسلاته لعبد الله بن المعتز، وكتاب " البراعة والفصاحة " وغير ذلك. وحدّث عن الزبير بن بكار وغيره، وكان مترسلاً شاعراً لطيفاً حسن المقاصد جيد السبك رقيق الحاشية.
ومن شعره، ثم وجدتها لأبي الطريف شاعر المعتمد الخليفة العباسي وزعم الصولي أن البحتري أنشده هذه الأبيات لنفسه، والله أعلم، وهي:
أتهجرون فتى أغري بكم تيهالحقُّ دعوة صبٍّ أن تجيبوها
أهدى إليكم على نأيٍ تحيتهحيُّوا بأحسن منها أو فردُّوها
زمُّوا المطايا غداة البين واحتملواوخلَّفوني على الأطلال أبكيها
شيَّعتهم فاسترابوا بي فقلت لهمإني بعثت مع الأجمال أحدوها
قالوا فما نفسٌ يعلو كذا صعداوما لعينك لا ترقا مآقيها
قلت التنفّس من إدمان سيركمودمع عيني جارٍ من قذىً فيها
حتى إذا انجذبوا والليل معتكررفعت في جنحه صوتي أناديها
يا من به أنا هيمانٌ ومختبلٌ ... هل لي إلى الوصل من عقبى أُرجيها [ومن شعره ما ذكره ابن رشيق في كتاب العمدة في باب الاستطراد، فقال: ومن الإستطراد نوع يسمى الإدماج، ونحو ذلك قول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لعبيد الله بن سليمان بن وهب حين وزر للمعتضد:
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسناوأسعفنا في من نحبُّ ونكرم
فقلت له نعماك فينا أتمهاودع أمرنا إن المهمَّ المقدَّم] ومن شعره:
واحربا من فراق قومهم المصابيح والحصون
والأسد والمزن والرواسيوالأمن والخفض والسكون
لم تتنكر لنا اللياليحتى توفَّتهم المنون
فكلُّ نارٍ لنا قلوبوكلُّ ماء لنا عيون وله:
إن الأمير هو الذييضحي أميراً يوم عزله
إن زال سلطان الولاية لم يزل سلطان فضله
وله:
اقضي الحوائج ما استطعت وكن لهمِّ أخيك فارج
فلخير أيام الفتى ... يومٌ قضى فيه الحوائج وله ديوان شعر ونقتصر من نظمه على هذا القدر.
وكان عبيد الله قد مرض فعاده الوزير، فلما انصرف عنه كتب إليه:
" ما اعرف أحداً جزى العلة خيراً غيري، فإني جزيتها الخير، وشكرت نعمتها علي، إذ كانت إلى رؤيتك مؤدية، فأنا كالأعرأبي الذي جزَّى يوم البين خيراً فقال:
جزى الله يوم البين خيراً فإنهأرانا على علاَّته أمَّ ثابت
أرانا ربيبات الخدور، ولم نكن ... نراهنَّ إلا بانتعات النواعت " قلت: ومثل هذا ما كتبه البحتري إلى أبي غانم وقد مرض فعاده الوزير، وهو قوله:
يا أبا غانمٍ غنمت ولا زالت عهاد الوسمي تسقي بلادك
ليت أنا مثل اعتلالك نعتل على أن يعودنا من عادك
أبهجت زورة الوزير أودا ... ك جميعاً وأرغمت حسادك وكانت ولادته سنة ثلاث وعشرين ومائتين. وكانت وفاته ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلثمائة ببغداد، ودفن بمقابر قريش، رحمه الله تعالى.
[وتوفي الأمير أبو القاسم عبيد الله بن سليمان سنة ثمان وثمانين ومائتين،
وعمره اثنتان وستون سنة، وكانت وزارته عشر سنين وخمسين يوما].
ولما مات أخوه سليمان بن عبد الله بن طاهر في سنة خمس وستين ومائتين وقف أخوه عبيد الله المذكور على قبره متكئاً على قوسه ونظر إلى قبور أهله، وأنشد:
النفس ترقى بحزن في تراقيهاودمعة العين تجري من مآقيها
لبقعة ما رأت عيني كقلتهاولا ككثرة أحباب ثووا فيها
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع