تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

الفقيه عمارة اليمني

الفقيه أبو محمد عمارة بن أبي الحسن علي بن ريدان بن أحمد الحكمي اليمني،

الملقب نجم الدين، الشاعر المشهور؛ نقلت من بعض تواليفه أنه من قحطان، ثم الحكم بن سعد العشيرة المذحجي، وأن وطنه من تهامة باليمن مدينة يقال لها مرطان من وادي وساع وبعدها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوماً، وبها مولده ومرباه، وأنه بلغ الحلم سنة تسع وعشرين وخمسمائة، ورحل إلى زبيد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، فأقام بها يشتغل بالفقه في بعض مدارسها مدة أربع سنين، وأنه حج سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وسيره قاسم بن هاشم ابن فليتة صاحب مكة شرفها الله تعالى رسولاً إلى الديار المصرية، فدخلها في شهر ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة، وصاحبها يومئذ الفائز بن الظافر، والوزير الصالح ابن رزيك - المذكور في حرف الطاء - وأنشدهما في تلك الدفعة قصيدته الميمية، وهي:

الحمد للعيس بعد العزم والهممحمداً يقوم بما أولت من النعم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
لا أجحد الحق عندي للركاب يدٌتمنت اللجم فيها رتبة الخطم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
قربن بعد مزار العز من نظريحتى رأيت إمام العصر من أمم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
ورحن من كعبة البطحاء والحرموفداً إلى كعبة المعروف والكرم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
فهل درى البيت أني بعد فرقتهما سرت من حرمٍ إلا حرم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
حيث الخلافة مضروبٌ سرادقهابين النقيضين من عفو ومن نقم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
وللإمامة أنوارٌ مقدسةتجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
وللنبوة آيات تنص لناعلى الخفيين من حكم ومن حكم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
وللمكارم أعلامٌ تعلمنامدح الجزيلين من بأس ومن كرم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
وللعلا ألسنٌ تثني محامدهاعلى الحميدين من فعل ومن شيم
وراية الشرف البذاخ ترفعهايد الرفيعين من مجدٍ ومن همم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
أقسمت بالفائز المعصوم معتقداًفوز النجاة وأجر البر في القسم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
لقد حمى الدين والدنيا وأهلهماوزيره الصالح الفراج للغمم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
اللابس الفخر لم تنسج غلائلهإلا يد الصنعين السيف والقلم
وجوده أوجد الأيام ما اقترحتوجوده أعدم الشاكين للعدم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
قد ملكته العوالي رق مملكةتعير أنف الثريا عزة الشمم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
أرى مقاماً عظيم الشأن أوهمنيفي يقظتي أنها من جملة الحلم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
يوم من العمر لم يخطر على أمليولا ترقت إليه رغبة الهمم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمهاعقود مدح فما أرضى لكم كلمي
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
ترى الوزارة فيه وهي باذلةعند الخلافة نصحاً غير متهم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
عواطف علمتنا أن بينهماقرابة من جميل الرأي لا الرحم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
خليفة ووزير مد عدلهماظلاً على مفرق الإسلام والأمم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»

زيادة النيل نقص عند قبضهما ... فما عسى نتعاطى منة الديم فاستحسنا قصيدته وأجزلا صلته، وأقام إلى شوال من سنة خمسين في أرغد عيش وأعز جانب، ثم فارق مصر في هذا التاريخ وتوجه إلى مكة ومنها إلى زبيد في صفر سنة إحدى وخمسين، ثم حج من عامه فأعاده قاسم صاحب مكة المذكور في رسالة إلى مصر مرة ثانية، فاستوطنها ولم يفارقها بعد ذلك.

ورأيت في كتابه الذي جعله تاريخ اليمن أنه فارق بلاده في شعبان سنة اثنتين وخمسين، وكان فقيهاً شافعي المذهب شديد التعصب للسنة، أديباً ماهراً شاعراً مجيداً محادثاً ممتعاً، فأحسن الصالح وبنوه وأهله إليه كل الإحسان، وصحبوه مع اختلاف العقيدة لحسن صحبته، وله في الصالح وولده مدائح كثيرة

- وقد تقدم طرفٌ من خبره في ترجمة شاور السعدي والصالح، وما رثاه به - وكانت بينه وبين الكامل بن شاور صحبة متأكدة قبل وزارة أبيه، فلما وزر استحال عليه، فكتب إليه:

إذا لم يسالمك الزمان فحاربوباعد إذا لم تنتفع بالأقارب
ولا تحتقر كيداً ضعيفاً فربماتموت الأفاعي من سمام العقارب
فقد هد قدماً عرش بلقيس هدهدٌوخرب فأر قبل ذا سد مأرب
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «إذا لم يسألك الزمان فحارب»
إذا كان رأس المال عمرك فاحترزعليه من الإنفاق في غير واجب
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «إذا لم يسألك الزمان فحارب»
فبين اختلاف الليل والصبح معركيكر علينا جيشه بالعجائب
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «إذا لم يسألك الزمان فحارب»
وما راعني غدر الشباب لأننيأنست بهذا الخلق من كل صاحب
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «إذا لم يسألك الزمان فحارب»
وغدر الفتى في عهده ووفائهوغدر المواضي في نبو المضارب ومنها:
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «إذا لم يسألك الزمان فحارب»
إذا كان هذا الدر معدنه فميفصونوه عن تقبيل راحة واهب
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «إذا لم يسألك الزمان فحارب»
رأيت رجالاً أصبحت في مآدبلديكم وحالي وحدها في نوادب
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «إذا لم يسألك الزمان فحارب»
تأخرت لما قدمتهم علاكمعلي وتأبى الأسد سبق الثعالب
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «إذا لم يسألك الزمان فحارب»
ترى أين كانوا في مواطني التيغدوت لكم فيهن أكرم نائب
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «إذا لم يسألك الزمان فحارب»
ليالي أتلو ذكركم في مجالسحديث الورى فيها بغمز الحواجب وزالت دولة المصريين وهو في البلاد

ولما ملك السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، مدحه ومدح جماعة من أهل بيته، يتضمن ديوانه جميع ذلك، وكتب إلى صلاح الدين قصيدة متضمنة شرح حاله وضرورته، وسماها " شكاية المتظلم ونكاية المتألم " وهي بديعة، ورثى

أصحاب القصر عند زوال ملكهم بقصيدة لامية طويلة أجاد فيها، وغالب شعره جيد.

ثم إنه شرع في أمور وأسباب من الاتفاق مع جماعة من رؤساء البلد على التعصب للمصريين وإعادة لدولتهم، فأحس بهم السلطان صلاح الدين، وكانوا ثمانية من الأعيان ومن جملتهم الفقيه عمارة المذكور، وشنقهم في يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة تسع وستين وخمسمائة بالقاهرة، رحمهم الله تعالى، وكان قبضهم يوم الأحد السادس والعشرين من شعبان من السنة.

وله تواليف منها كتاب " أخبار اليمن " وفيه فوائد، ومنها " النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية " وغير ذلك.

وقال العماد الأصبهاني في كتاب " الخريدة ": إنه صلب في جملة الجماعة الذين نسب إليهم التدبير عليه، يعني السلطان صلاح الدين، ومكاتبة الفرنج واستدعاؤهم إليه، حتى يجلسوا ولداً للعاضد، وكانوا أدخلوا معهم رجلاً من الأجناد ليس من أهل مصر، فحضر عند صلاح الدين وأخبره بما جرى، فأحضرهم فلم ينكروا الأمر ولم يروه منكراً، فقطع الطريق على عمر عمارة، وأعيض بخرابه عن العمارة، ووقعت اتفاقات عجيبة، فمن جملتها أنه نسب إليه بيت من قصيدة ذكروا أنه يقول فيها:

قد كان أول هذا الدين من رجل ... سعى إلى أن دعوه سيد الأمم ويجوز أن يكون البيت معمولاً عليه، فأفتى فقهاء مصر بقتله، وحرضوا السلطان على المثلة بمثله، ومنها أنه كان في النوبة التي لا تقال عثرتها، ولا يحترم الأديب فيها ولو أنه في سماء النظم والنثر نثرتها، ومنها أنه كان قد هجا أميراً فعد ذلك من كبائره، وجرى عليه الردى في جرائره؛ ثم قال في آخر ترجمته: والعجب من عمارة أنه تأبى في ذلك المقام عن الانتماء إلى القوم [وترك]، وغطى القدر على بصره حتى أراد أن يتعصب لهم ويعيد دولتهم

فهلك؛ وإنما قال العماد هذا لأجل الأبيات التي كتبها الصالح بن رزيك يرغبه في التشيع، وهي في الورقة التي هي قربها.

والمذحجي: بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة وبعدها جيم، هذه النسبة إلى مذحج، واسمه مالك بن أدد بن زيد بن يشجب، وإنما قيل له مذحج لأنه ولد على أكمة حمراء باليمن يقال لها مذحج فسمي بها، وقيل غير ذلك، والله أعلم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.