من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
الملك الظاهر صاحب حلب
أبو الفتح وأبو منصور غازي ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، الملقب الملك الظاهر غياث الدين صاحب حلب، كان ملكا مهيبا حازما متيقظا كثير الاطلاع على أحوال رعيته وأخبار الملوك، عالي الهمة حسن التدبير والسياسة باسط العدل محبا للعلماء مجيزا للشعراء، أعطاه والده مملكة حلب في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة بعد أن كانت لعمه الملك العادل، فنزل عنها وتعوض غيرها، كما قد شهر.
ويحكى عن سرعة إدراكه أشياء حسنة: منها أنه جلس يوما لعرض العسكر، وديوان الجيش بين يديه، فكان كلما حضر واحد من الأجناد سأله الديوان عن اسمه لينزلوه، حتى حضر واحد فسألوه فقبل الأرض، فلم يفطن أحد من أرباب الديوان لما أراد، فاودوا سؤاله، فقال الملك الظاهر: اسمه غازي، وكان كذلك، وتأدب الجندي أن يذكر اسمه لما كان موافقا لاسم السلطان، وعرف هو مقصوده، وله من هذا الجنس شيء كثير لا حاجة إلى التطويل فيه.
وكانت ولادته بالقاهرة في منتصف رمضان سنة ثمان وستين وخمسمائة، وهي السنة الثانية من استقلال أبيه بمملكة الديار المصرية. وتوفي بقلعة حلب، ليلة
الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة وستمائة، ودفن بالقلعة، ثم بنى الطواشي شهاب الدين طغريل الخادم اتابك ولده الملك العزيز مدرسة تحت القلعة وعمر فيها تربة ونقله إليها، رحمه الله تعالى. والعجب أنه دخل حلب مالكا لها في الشهر بعينه واليوم من سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.
ورثاه شاعره الشرف راجح بن إسماعيل بن أبي القاسم الأسدي الحلي، وكنيته أبو الوفاء، بهذه القصيدة، ومدح ولديه السلطان الملك العزيز محمدا وأخاه الملك الصالح صاحب عين تاب، وما أقصر فيها، وهي:
سل الخطب إن أصغى إلى من يخاطبهبمن علقت أنيابه ومخالبه
نشدتك عاتبع على نائباتهوإن كان نائي السمع عمن يعاتبه
لي الله كم أرمي بطرفي ضلالةإلى أفق مجد قد تهاوت كواكبه
فما لي أرى الشهباء قد حال صبحهاعلي دجى لا تستنير غياهبه
أحقا حمى الغازي الغياث بن يوسفأبيح وعادت خائبات مواكبه
نعم كورت شمس المدائح وانطوتسماء العلا والنجح ضاقت مذاهبه
فمن مخبري عن ذلك الطود هل وهتقواعده أم لان للخطب جانبه
أجل ضعضعت بعد الثبات وزعزعتبريح المنايا العاصفات مناكبه
وغيض ذاك البحر من بعد ما طمتوطمت لغيبان البلاد غواربه
فشلت يمين الخطب أي مهندبرغم العلا سلت وفلت مضاربه
لئن حبس الغيث الغياثي قطرهفقد سحبت في كل قطر سحائبه
فأنى يلذ العيش بعد ابن يوسفأبو أمل أكدت عليه مطالبه
فلا أدركت نيل المنى طالباتهولا بركت في أرض يمن ركائبه
ولا انتجعت إلا معبس حقبةمن الجدب لا تثني عليه حقائبه
مضى من أقام الناس في ظل عدلهوآمن من خطب تدب عقاربه
فكم من حمى صعب أباحت سيوفهومن مستباح قد حمته كتائبه
أرى اليوم دست الملك أصبح خالياأما فيكم من مخبر أين صاحبه
فمن سائلي عن سائل الدمع لم جرىلعل فؤادي بالوجيب يجاوبه
فكم من ندوب في قلوب نضيجةبنار كروب أججتها نوادبه
أيسلم لم تحطم صدور رماحهبذب ولم تثلم بضرب قواضبه
ولا اصطدمت عند الحتوف كماتهولا ازدحمت بين الصفوف جنائبه
ولا سيم أخذ الثار يوم كريهةتشق مثار النقع فيها سلاهبه
فيا ملبسي ثوبا من الحزن مسبلاأيحسن بي أن التسلي سالبه
خدمتك، روض المجد تضفو ظلالهعلي، وحوض الجود تصفو مشاربه
وقد كنت تدنيني وترفع مجلسيلمفروض مدح ما تعداك واجبه
فما بال إذني قد تمادى ولم يكنإذا جئت يثنيني عن الباب حاجبه
أرى الشمس أخفت يوم فقدك نورهافلا كان يوم كاسف الوجه شاحبه
فكيف نبا سيف اعتزامك أو كباجواد من الحزم الذي أنت راكبه
فمن لليتامى يا غياث يغيثهمإذا الغيث لم ينقع صدى العام ساكبه
ومن لملوك كنت ظلا عليهمظليلا إذا ما الدهر نابت نوائبه
أيا تاركي ألقى العدو مسالمامتى ساءني بالجد قمت ألاعبه
سقت قبرك الغر الغوادي وجادهمن الغيث سارية الملث وساربه
فإن يك نور من شهابك قد خبافيا طالما جلى دجى الليل ثاقبه
فقد لاح بالملك العزيز محمدصباح هدى كنا زمانا نراقبه
فتى لم يفته من أبيه وجدهإباء وجد غالبا من يغالبه
ومن كان في المسعى أبوه دليلهتدانى له الشأو الذي هو طاله
وبالصالح استعلى صلاح رعيةلها منه رعي ليس يقلع راتبه
فحسب الورى من أحمد ومحمدمليكان من عاداهما ذل جانبه
فما أحرزا علياء غازي بن يوسفوما ضيعا المجد الذي هو كاسبه
فأفق الورى لولاهما كان أظلمتمشارقه من بعده ومغاربه
سيحمي على رغم الليالي حماهماعوالي قنا تردى الأسود ثعالبه
فكم من ملم جل موقع خطبهفساءت مباديه وسرت عواقبه
فيا قمري سعد أطلا على الدجىفولى وما ألوى على الأرض هاربه
أيمكث في الشهباء عبد أبيكماومادحه أم تستقل نجائبه
فإن شئتما بعد الغياث أغثتمامصاب سهام فوقتها مصائبه
كأن لم أقف أجلو التهاني أمامهوتضحك في وجه الأماني مواهبه
فهنيتما ما نلتما وبقيتما ... لإعلاء ملك ساميات مراتبه وهذه القصيدة مع جودتها فيها مواضع مأخوذة من مرثية الفقيه عمارة اليمني للصالح بن رزيك، وبعضها مذكور في ترجمة الصالح، وكأنه قد نسج على منوالها، فإنها على وزنها وإن كان حرف الروي مختلفا، فقد استعمل هاء الوصل كما استعمله عمارة، والظاهر أنه كان قد وقف عليها فقصد مضاهاتها.
وقام بالأمر ومملكة حلب من بعده: ولده الملك العزيز غياث الدين أبو المظفر محمد ابن الملك الظاهر، ومولده يوم الخميس خامس ذي الحجة
سنة عشر وستمائة بقلعة حلب، وتوفي يوم الأربعاء رابع شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وستمائة، وكنت بحلب في ذلك الوقت، وذفن بالقلعة.
وترتب مكانه ولده الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف ابن الملك العزيز، واتسعت مملكته، فإنه ملك عدة بلاد من الجزيرة الفراتية لما كسر الخوارزمية، وكان مقدم جيشه الملك المنصور صاحب حمص، وذلك في أواخر سنة إحدى وأربعين أو أوائل سنة اثنتين وأربعين، ثم ملك دمشق والبلاد الشامية يوم الأحد سابع عشر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وستمائة، ومولده بقلعة حلب في تاسع عشر رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة، وقصده التتر وملكوا الشام، فخرج من دمشق في صفر سنة ثمان وخمسين، وقتل في الثالث والعشرين من شوال سنة ثمان وخمسين بالقرب من المراغة من أعمال أذربيجان على ما نقل الناقل، والله أعلم، وقصته مشهورة.
وتوفي عمه الملك الصالح صلاح الدين أحمد ابن الملك الظاهر صاحب عين تاب في شعبان سنة إحدى وخمسين وستمائة، وكانت ولادته في صفر سنة ستمائة بحلب، ومات بعين تاب، رحمهم الله تعالى أجمعين. وإنما قدموا العزيز وهو الأصغر على أخيه الصالح لأن أمه صفية خاتون بنت الملك العادل بن أيوب، فقدموه في الملك لأجل جده وأخواله اولاد العادل، وأما الصالح فإن أمه جارية.
وتوفي الشرف الحلي المذكور في ليلة السابع والعشرين من شعبان سنة سبع وعشرين وستمائة بدمشق، رحمه الله تعالى، ودفن بظاهرها في جوار مسجد النارنج شرقي مصلى العيد، ومولده في منتصف شهر ربيع الآخر سنة سبعين وخمسمائة بالحلة، وهو من مشاهير شعراء عصره.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع