تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

أبو دلف العجلي

ديوان أبو دلف العجلي

ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن أبو دلف العجلي؟

أبو دلف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير بن شيخ بن معاوية ابن خزاعي بن عبد العزى بن دلف بن جشم بن قيس بن سعد بن عجل بن لجيم ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، العجلي، أحد قواد المأمون ثم المعتصم من بعده - وقد تقدم ذكره في ترجمة علي بن جبلة العكوك، وبعض مديح العكوك فيه، وتقدم أيضا في ترجمة أبي مسلم الخراساني أنه كان تربية جده المذكور، وتقدم ذكر حفيده الأمير أبي نصر علي بن ماكولا، صاحب كتاب الإكمال -.

وكان أبو دلف المذكور كريما سريا جوادا ممدحا شجاعا مقدما ذا وقائع مشهورة وصنائع مأثورة، أخذ عنه الأدباء والفضلاء، وله صنعة في الغناء، وله من الكتب كتاب البزاة والصيد وكتاب السلاح وكتاب النزه وكتاب سياسة الملوك وغير ذلك.

ولقد مدحه أبو تمام الطائي بأحسن المدائح، وكذلك بكر بن النطاح، وفيه يقول:

يا طالبا للكيمياء وعلمهمدح ابن عيسى الكيمياء الأعظم

لو لم يكن في الأرض إلا درهم ... ومدحته لأتاك ذاك الدرهم ويحكى أنه اعطاه على هذين البيتين عشرة ألاف درهم، فأغفله قليلا ثم دخل عليه وقد اشترى بتلك الدراهم قرية في نهر الأبلة، فأنشده:

بك ابتعت في نهر الأبلة قريةعليها قصير بالرخام مشيد
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة

إلى جنبها أخت لها يعرضونها ... وعندك مال للهبات عتيد فقال له: كم ثمن الأخت فقال: عشرة آلاف درهم، فدفعها له ثم قال له: تعلم أن نهر الأبلة عظيم وفيه قرى كثيرة، وكل أخت إلى جانبها أخرى، وإن فتحت هذا الباب اتسع علي الخرق، فاقنع بهذه ونصطلح عليها، فدعا له وانصرف.

وقد ألم أبو بكر محمد بن هاشم، أحد الخالديين، بمعنى قول بكر بن النطاح المذكور في البيتين الأولين، فقال:

وتيقن الشعراء أن رجاءهمفي مأمن بك من وقوع الياس
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
ما صح علم الكيمياء لغيرهمفيمن عرفنا من جميع الناس
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة

تعطيهم الأموال في بدر إذا ... حملوا الكلام إليك في قرطاس وكان أبو دلف قد لحق أكرادا قطعوا الطريق في عمله، فطعن فارسا فنفذت الطعنة إلى أن وصلت إلى فارس آخر وراءه رديفه، فنفذ فيه السنان فقتلهما، وفي ذلك يقول بكر بن النطاح المذكور:

قالوا وينظم فارسين بطعنةيوم الهياج ولا تراه كليلا

لا تعجبوا فلو أن طول قناته ... ميل إذا نظم الفوارس ميلا وكان أبو عبد الله أحمد بن أبي فنن صالح مولى بني هاشم، أسود مشوه الخلق، وكان فقيرا، فقالت له امرأته: يا هذا، إن الأدب أراه قد سقط نجمه وطاش سهمه، فاعمد إلى سيفك ورمحك وقوسك، وادخل مع الناس في غزواتهم، عسى الله أن ينفلك من الغنيمة شيئا، فأنشد:

ما لي وما لك قد كلفتني شططاحمل السلاح وقول الدارعين قف
أمن رجال المنايا خلتني رجلاأمسي وأصبح مشتاقا إلى التلف
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة
تمشي المنايا إلى غيري فأكرههافكيف أمشي إليها بارز الكتف

ظننت أن نزال القرن من خلقي ... أو أن قلبي في جنبي أبي دلف فبلغ خبره أبا دلف، فوجه إليه ألف دينار. وكان أبو دلف لكثرة عطائه قد ركبته الديون، واشتهر ذلك عنه، فدخل عليه بعضهم وأنشده:

أيا رب المنائح والعطاياويا طلق المحيا واليدين
لقد خبرت أن عليك دينافزد في رقم دينك واقض ديني

فوصله وقضى دينه. ودخل عليه بعض الشعراء فأنشده:

الله أجرى من الأرزاق أكثرهاعلى يديك تعلم يا أبا دلف
ما خط " لا " كاتباه في صحيفتهكما تخطط لا في سائر الصحف
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «الله أجرى من الأرزاق أكثرها»

بارى الرياح فأعطى وهي جارية ... حتى إذا وقفت أعطى ولم يقف ومدائحه كثيرة. وله أيضا أشعار حسنة، ولولا خوف التطويل لذكرت بعضها.

وكان أبوه قد شرع في عمارة مدينة الكرج وأتمها هو، وكان بها أهله وعشيرته وأولاده، وكان قد مدحه وهو بها بعض الشعراء، فلم يحصل له منه ما في نفسه، فانفصل عنه وهو يقول - وهذا الشاعر هو منصور بن باذان، وقيل هو بكر بن النطاح والله أعلم -:

دعيني أجوب الأرض في فلواتها ... فما الكرج الدنيا ولا الناس قاسم وهذا مثل قول بعضهم، ولا أدري أيهما أخذ من الآخر:

فإن رجعتم إلى الإحسان فهو لكمعبد كما كان، مطواع ومذعان

وإن أبيتم فأرض الله واسعة ... لا الناس أنتم ولا الدنيا خراسان ثم وجدت هذين البيتين قد ذكرهما السمعاني في كتاب الذيل، في ترجمة أبي الحسن علي بن محمد بن علي البلخي، فقال: أنشدني القاضي علي بن محمد البلخي بدورق متمثلا للأمير أبي الحسن علي بن المنتجب، ولعله سمع منه، وأنشد البيتين.

وروي أن الأمير علي بن عيسى بن ماهان صنع مأدبة لما قدم أبو دلف من

الكرج ودعاه إليها، وكان قد احتفل بها غاية الاحتفال، فجاء بعض الشعراء ليدخل دار علي بن عيسى فمنعه البواب، فتعرض الشاعر لأبي دلف وقد قصد دار علي بن عيسى، وبيده جزازة فناوله إياها، فإذا فيها مكتوب:

قل له إن لقيتهمتأن بلا وهج
جئت في ألف فارسلغداء من الكرج

ما على الناس بعدها ... في الدنيات من حرج فرجع أبو دلف، وحلف أنه لا يدخل الدار ولا يأكل شيئا من الطعام، ورأيت في بعض المجاميع أن هذا الشاعر هو عباد بن الحريش، وكانت المأدبة ببغداد.

ورأيت في بعض المجاميع أيضا أن أبا دلف لما مرض مرض موته حجب الناس عن الدخول عليه لثقل مرضه، فاتفق أنه أفاق في بعض الأيام، فقال لحاجبه: من بالباب من المحاويج فقال: عشرة من الأشراف، وقد وصلوا من خراسان، ولهم بالباب عدة أيام لم يجدوا طريقا، فقعد على فراشه واستدعاهم، فلما دخلوا رحب بهم وسألهم عن بلادهم وأحوالهم وسبب قدومهم، فقالوا: ضاقت بنا الأحوال، وسمعنا بكرمك فقصدناك، فأمر خازنه بإحضار بعض الصناديق، وأخرج منه عشرين كيسا في كل كيس ألف دينار، ودفع لكل واحد منهم كيسين، ثم أعطى كل واحد مؤونة طريقه، وقال لهم: لا تمسوا الأكياس حتى تصلوا بها سالمة إلى أهلكم، واصرفوا هذا في مصالح الطريق. ثم قال: ليكتب لي كل واحد منكم خطه: أنه فلان بن فلان حتى ينتهي إلى علي ابن أبي طالب ﵁، ويذكر جدته فاطمة بنت رسول الله ﷺ ثم ليكتب: يا رسول الله إني وجدت إضاقة وسوء حال في بلدي وقصدت أبا دلف العجلي، فأعطاني ألفي دينار كرامة لك، وطلبا لمرضاتك، ورجاء لشفاعتك، فكتب كل واحد منهم ذلك، وتسلم الأوراق. وأوصى من

يتولى تجهيزه إذا مات أن يضع تلك الأوراق في كفنه، حتى يلقى بها رسول الله ﷺ ويعرضها عليه.

ومع هذا فقد حكي أنه قال يوما: من لم يكن مغاليا في التشيع فهو ولد زنا، فقال له ولده: إني لست على مذهبك، فقال له أبوه: لما وطئت أمك وعلقت بك ما كنت بعد قد استبرأتها، فهذا من ذاك، والله أعلم.

ومع هذا فقد حكى جماعة من أرباب التواريخ أن دلف بن أبي دلف قال: رأيت في المنام آتيا أتاني فقال لي: أجب الأمير، قمت معه، فأدخلني دارا وحشة وعرة سوداء الحيطان مقلعة السقوف والأبواب وأصعدني على درج منها، ثم أدخلني غرفة في حيطانها أثر النيران وفي أرضها أثر الرماد، وإذا بأبي وهو عريان واضع رأسه بين ركبتيه، فقال لي كالمستفهم: دلف قلت: دلف: فأنشأ يقول:

أبلغن أهلنا ولا تخف عنهمما لقينا في البرزخ الخناق
للشاعر أبو دلف العجلي، اقرأ القصيدة
قد سئلنا عن كل ما قد فعلنافارحموا وحشتي وما قد ألاقي ثم قال: فهمت قلت: نعم، ثم أنشد:
فلو كنا إذا متنا تركنالكان الموت راحة كل حي
ولكنا إذا متنا بعثناونسأل بعده عن كل شي ثم قال: أفهمت قلت: نعم، وانتبهت

وكانت وفاته سنة ست وعشرين، وقيل خمس وعشرين ومائتين ببغداد، رحمه الله تعالى.

ودلف: بضم الدال المهملة وفتح اللام وبعدها فاء، وهو اسم علم لا ينصرف، لاجتماع العلمية والعدل، فإنه معدول عن دالف.

والعجلي: قد تقدم الكلام عليه.

والأبلة: بضم الهمزة والباء الموحدة واللام المشددة المفتوحة وبعدها هاء ساكنة، وهي بلدة قديمة على أربعة فراسخ من البصرة، وهي اليوم من البصرة، وهي من جنان الدنيا، وإحدى المستنزهات الأربع، وقد سبق ذكرها في ترجمة عضد الدولة بن بويه مع شعب بوان وغيره.

والكرج: بفتح الكاف والراء وبعدها جيم، وهي مدينة بالجبل، بين أصبهان وهمذان.

والجبل: إقليم كبير بين بلاد العراق وخراسان، والعامة تسميه عراق العجم، وفيه مدن كبار منها: همذان وأصبهان والري وزنجان، وغير ذلك.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف القاف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.