من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
الهرا النحوي
أبو مسلم معاذ بن مسلم الهرا النحوي الكوفي، من موالي محمد بن كعب القرظي؛ قرأ عليه الكسائي وروى الحديث عنه، وحكيت عنه في القراءات حكايات كثيرة، وصنف في النحو كثيراً، ولم يظهر له شيء من التصانيف، وكان يتشيع، وله شهر كشعر النحاة.
وكان في عصره مشهوراً بالعمر الطويل، وكان له أولاد وأولاد أولاد، فمات الكل وهو باق. وحكى بعض كتابه قال: صحبت معاذ بن مسلم زماناً، فسأله رجل ذات يوم: كم سنك فقال: ثلاث وستون، قال: ثم مكث بعد ذلك سنين وسأله كم سنك فقال: ثلاث وستون، فقلت: أنا معك منذ إحدى وعشرين سنة، وكلما سألك أحد: كم سنك تقول: ثلاث وستون، فقال: لو كنت معي إحدى وعشرين سنة أخرى ما قلت إلا هذا. وقال عثمان بن أبي شيبة: رأيت معاذ بن مسلم الهرا، وقد شد أسنانه بالذهب من الكبر، وفيه يقول أبو السري سهل بن أبي غالب الخزرجي الشاعر المشهور:
إن معاذ بن مسلم رجلليس لميقات عمره أمد
قد شاب رأس الزمان واكتهلالدهر وأثواب عمره جدد
قل لمعاذ إذا مررت بهقد ضج من طول عمر الأمد
يا بكر حواء كم تعيش وكمتسحب ذيل الحياة يا لبد
قد أصبحت دار آدم خربتوأنت فيها كأنك الوتد
تسأل غربانها إذا نعبتكيف يكون الصداع والرمد
مصححاً كالظليم ترفل فيبردك مثل السعير تتقد
صاحبت نوحاً ورضت بغلةذي القرنين شيخاً لولدك الولد
فارحل ودعنا لأن غايتك الموت ... وغن شد ركنك الجلد قوله " تسحب ذيل الحياة يا لبد " فهذا لبد آخر نسور لقمان بن عاد، وكان لقمان قد سيره قومه - وهو عاد الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز - إلى الحرم يستقي لها، فلما هلكت عاد خير لقمان بين أن يعيش عمر سبع بعرات سمر أو عمر سبعة أنسر، كلما هلك نسر خلف بعده نسر، فاختار النسور، فكان بأخذ الفرخ عند خرجه من البيضة فيربيه فيعيش ثمانين سنة، وهكذا، حتى هلك منها ستة، وبقي السابع فسمي لبداً، فلما كبر وعجز عن الطيران كان يقول له لقمان: انهض لبد، فلما هلك لبد مات لقمان، وقد ذكرت العرب لبداً في أشعارها كثيراً، فمن ذلك قول النابغة الذبياني:
أضحت خلاء وأضحى أهلها احتملواأخنى عليها الذي أخنى على لبد رجعنا إلى حديث معاذ:
لما مات بنوه وحفدته قال:
ما يرتجي في العيش من قد طوىمن عمره الذاهب تسعينا
أفنى بنيه وبينهم فقدجرعه الدهر الأمرينا
لا بد أن يشرب من حوضهم ... وإن تراخى عمره حينا وكان معاذ المذكور صديقاً للكمين بن زيد الشاعر المشهور؛ قال محمد بن سهل رواية الكميت: صار الطرماح الشاعر إلى خالد بن عبد الله القسري أمير
العراقيين وهو بواسط فامتدحه، فأمر له بثلاثين ألف درهم وخلع عليه حلي وشيء لا قيمة لهما، فبلغ ذلك الكميت، فعزم على قصده، فقال له معاذ الهرا: لا تفعل فلست كالطرماح، فإنه ابن عمه، وبينكما بون: أنت مضري وخالد يمني متعصب على مضر، وأنت شيعي وهو أموي، وأنت عراقي وهو شامي، فلم يقبل إشارته، وأبي إلا قصد خالد، فقصده، فقالت اليمانية لخالد: قد جاء الكميت وقد هجانا بقصيدة نونية فخر فيها علينا، فحبسه خالد وقال: في حبسه صلاح لأنه يهجو الناس ويتأكلهم، فبلغ ذلك معاذاً فغمه فقال:
نصحتك والنصيحة إن تعدتهوى المنصوح عز لها القبول
فخالفت الذي لك فيه رشدفغالت دون ما أملت غول
فعاد خلاف ما تهوى خلافاًله عرض من البلوى طويل فبلغ الكميت قوله، فكتب إليه:
أراك كمهدي الماء للبحر حاملاً ... إلى الرمل من يبرين متجراً رملا ثم كتب تحته: قد جرى علي القضاء فما الحيلة الآن فأشار عليه أن يحتال في الهرب، وقال له: إن خالداً قاتلك لا محالة، فاحتال بامرأته، وكانت تأتيه بالطعام وترجع، فلبس ثيابها وخرج كأنه هي، فلحق بمسلمة بن عبد الملك فاستجار به وقال:
خرجت خروج القدح قدح ابن مقبلإليك على تلك الهزاهز والأزل
علي ثياب الغانيات وتحتهاعزيمة رأى أشبهت سلة النصل فكان ذلك سبب نجاته من خالد
وسأل شخص معاذاً عن مولده فقال: ولدت في أيام يزيد بن عبد الملك أو في أيام عبد الملك؛ وكان يزيد بن عبد الملك قد تولى بعد موت عمر بن عبد العزيز في شهر رجب سنة إحدى ومائة، وتوفي في شعبان سنة خمس ومائة،
فهذه المدة هي أيامه؛ وأما أبوه عبد الملك فإنه تولى بعد أبيه مروان في شهر رمضان المعظم سنة خمس وستين للهجرة ومات سنة ست وثمانين، فهذه مدته. وتوفي معاذ سنة تسعين ومائة وقيل في السنة التي نكبت فيها البرامكة وهي سنة سبع وثمانين ومائة، وهو الأصح، رحمه الله تعالى.
وكان يكنى أبا مسلم، فولده له ولد سماه علياً فصار يكنى به.
والهرا: بفتح الهاء وتشديد الرء وبعدها ألف مقصورة؛ وإنما قيل له ذلك لأنه كان يبيع الثياب الهروية فنسب إليها.
وأما أبو السري الشاعر صاحب الأبيات الدالية المذكورة فإنه نشأ بسجستان، وادعى رضاع الجن وأنه صار إليهم، ووضع كتاباً ذكر فيه أمر الجن وحكمتهم وأنسابهم وأشعارهم، وزعم أنع بايعهم للأمين بن هارون الرشيد ولي العهد فقربه الرشيد وابنه الأمين وزبيدة أم الأمين، وبلغ معهم، وأفاد منهم، وله أشعار حسان وضعها على الجن والشياطين والسعالي، وقال له الرشيد: إن كنت رأيت ما ذكرت لقد رأيت عبجباً، وإن كنت ما رأيته لقد وضعت أدباً، وأخباره كلها غريبة عجيبة، والله أعلم بالصواب.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع