تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

مخلص الدولة ابن منقذ

أبو المتوج مقلد بن نصر بن منقذ الكناني، الملقب مخلص الدولة، والد الأمير سديد الدولة أبي الحسن علي صاحب قلعة شيزر، المقدم ذكره؛ كان رجلاً نبيل القدر سائر الذكر، رزق السعادة في بنيته وحفدته،، وقد تقدم في ترجمة ولده المذكور طرف من بدء أمرهم، وكيف ملك القلعة المذكورة.

وكان والده مقلد المذكور في جماعة كثيرة من أهل بيته مقيمين بالقرب من

قلعة شيزر عند جسر بني مقلد المنسوب إليهم، وكانوا يترددون إلى حلب وحماة وتلك النواحي، ولهم بها الآدار النفسية والملاك المثمنة، وذلك كله قبل أن ملكوا قلعة شيزر، وكان ملوك الشام يكرمونهم ويبجلون أقدارهم، وشعراء عصرهم يقصدونهم ويمدحونهم، وكان فيهم جماعة أعيان رؤساء كرماء علماء، وقد سبق ذكر أسامة بن منقذ، وهو من أحفاده.

ولم يزل مخلص الدولة في رياسته وجلالته، إلى أن توفي في ذي الحجة سنة خمسين وأربعمائة بحلب، وحمل إلى كفرطاب؛ ورأيت في ديوان ابن سنان الخفاجي الشاعر عقيب أشعار له في المذكور، يقول ما صورته: وقال يرثيه وقد توفي في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، والله أعلم بالصواب، رحمه الله تعالى. ورثاه القاضي أبو يعلى حمزة بن عبد الرزاق بن أبي حصين بهذه القصيدة، وهي من فائق الشعر، وأنشدها لولده أبي الحسن علي المذكور، سأذكرها كلها إن شاء الله تعالى، وإن كانت طويلة، لكنها غريبة قليلة الوجود بأيدي الناس، وما رأيت أحداً قط يحفظ منها إلا أبياتاً يسيرة فأحببت ذكرها لذلك، وهي هذه:

ألا كل حي مقصدات مقاتلهوآجل ما يخشى من الدهر عاجله
وهل يفرح الناجي السليم وهذهخيول الردى قدامه وحبائله
لعمر الفتى إن السلامة سلمإلى الحين والمغرور بالعيش آمله
فتسلب أثواب الحياة معارهاويقضي غريم الدين ما هو ماطله
مضى قيصرٌ لم تغن عنه قصورهوجدل كسرى ما حمته مجادله
وما صد هلكاً عن سليمان ملكهولا منعت منه أباه سرابله
ولم يبق إلا من يروح ويغتديعلى سفر ينأى عن الأهل قافله
وما نفس الإنسان إلا خزامةبأيدي المنايا والليالي مراحله
فهل غال بدءاً مخلص الدولة الردىوهل تنزوي عمن سواه غوائله
ولكنه حوض الحمام، ففارطإليه، وتالٍ مسرعاتٍ رواحله
لقد دفن الأقوام أروع لم تكنبمدفونةٍ طول الزمان فضائله
سقى جدثاً هالت عليه ترابهأكفهم طل الغمام ووابله
ففيه سحابٌ يرفع المحل هديهوبحر ندىً يستغرق البر ساحله
كأن ابن نصر سائراً في سريرهحبي من الوسمي أقشع هاطله
يمر على الوادي فتثني رمالهعليه، وبالنادي فتبكي أرامله
سرى تعشه فوق الرقاب وطالماسرى جوده فوق الركاب ونائله
أناعيه إن النفوس منوطةٌبقولك فانظر ما الذي أنت قائله
بفيك الثرى لم تدر من حل بالثرىجهلت وقد يستصغر الأمر جاهله
هو السيد المهتز للتم بدرهوللجود عطفاه وللطعن عالمه
أفاض عيون الناس حتى كأنماعيونهم مما تفيض أنامله
فيا عين سحي لا تشحي بسائلعلى ماجد لم يعرف الشح سائله
متى يسألوه المال تند بنانهوإن لم يسألوه الضيم تبد عوامله
وكم عاد عنه بالخسار مقنعوكم نال منه قانع ما يحاوله
له الغلب القاضي على كل باسليجالده أو كل خصم يجادله
محاسنه في روضةٍ طلها الندىولكنه في المجد مات مساجله
فيا عمره أنى قصرت ولم تطلمنازله بل كفه بل حمائله
جرت تحته العلياء ملء فروجهاإلى غاية طالت على من يطاوله
فما مات حتى نال أقصى مرادهكما يستسر البدر تمت منازله
فتى طالما يعتاده الجيش عافياًفينزله أو عادياً فينازله
صفوحٌ عن الجاني وصفحة سيفهإذا هي لم تقتله فالصفح قاتله
وأدمى عسيب الطرف بعدك هلبهوعادته أن يقذف الدم كاهله
فيا طرفه ما كان عجزك حاملاًأدى صارم لو أن ظهرك حامله
لقد كثر الملبوس بعد مروعجرت ببيان المشكلات شواكله
إذا ظن لا يخطي كأن ظنونهعلى ما يضل الناس عنه دلائله
فلا رحلت عنه نوازل رحمةٍضحاه بها موصولة وأصائله
وروى ثراه منهن العفو في غدفقد روت العافين أمس مناهله
قضى الله أن يرزا الأمير وهذهصوافنه موقورة ومناصله
وكل فتى كالبراق إبريق غمدهإذا شماه، او كالذبالة ذابله
فليت ظباه صلت اليوم خلفهوظلت على غير الصيام صواهله
بني منقذ صبراً فإن مصابكميصاب به حافي الأنام وناعله
لقد جل حتى كل واجد لوعةإذا لج فيها ليس يوجد عاذله
إذا صوحت أيدي الرجال فأنتمبني منقذ روض الندى وخمائله
وإن فر من وزر الزمان مفرحٌفإنكم أوزاره ومعاقله
وصاحب، علي، الصبر عنه فما غوىمصاحب صبرٍ عن حبيب يزايله
وما نام حتى قام منك وراءهأخو يقظات وافر العزم كامله
كأنكما نوءان في فلك العلافطالعه هذه وذلك آفله
وما كفلوك الأمر إلا لعلمهمقيامك بالأمر الذي أنت كافله
سعيت إلى نيل المكارم سعيهولو كنت لا تسعى كفتك فواضله
ولم تر أن ترقى بما كان فاعلاًأجل إنما المرفوع بالفعل فاعله
لعمرك إني في الذي عن كلهشريك عنان ناصح الود ناخله

وكيف خلو القلب من ذلك الهوى ... وقد خلدت بين الشغاف دواخله نجزت القصيدة بتمامها وكمالها. وقد تقدم في ترجمة الصالح طلائع بن رزيك وزير مصر مرثية رثاه بها الفقيه عمارة الميني، وهي على وزن هذه المرثية ورويها، ولم أذكر منها هناك سوى أبيات قلائل لكثرة وجود ديوان عمارة بأيدي الناس، وهذه لا تكاد توجد بكمالها، فلهذا أتممتها ها هنا، وقد تقدم منها ذكر بيتين في ترجمة الوزير جمال الدين أبي جعفر محمد المعروف بالجواد الأصبهاني وزير الموصل.

وتوفي أخوه أبو الغيث منقذ بن نصر بن منقذ سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، ورثاه الشيخ الأديب أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن يحيى بن الحسين بن محمد بن الربيع بن سنان بن الربيع الخفاجي الحلبي الشاعر المشهور صاحب الديوان الشعر بقوله، وهو من شعره القديم زمن الصبا:

غربت خلائقك الحسان غريبةًورمى الزمان دنوها ببعاد
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة

ذهبت كما ذهب الربيع وخلفت ... فيض الدموع حرارة الأكباد والخفاجي المذكور رثى مخلص الدولة المذكور أيضاً بقصيدة طويلة رائية، ومدحه بأخرى حائة أجاد فيهما وتركتهما لطولهما، والله تعالى أعلم بالصواب.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.