من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
مؤرج السدوسي
أبو فيد مؤرج بن عمرو بن الحارث بن ثور بن حرملة بن علقمة بن عمرو بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة، السدوسي النحوي البصري؛ أخذ العربية عن الخليل بن أحمد، وروى الحديث عن شعبة بن الحجاج وأبي عمرو ابن العلاء وغيرهما، وكان يقول: قدمت من البادية ولا معرفة لي بالقياس في العربية، وإنما كانت معرفتي قريحة، وأول ما تعلمت القياس في حلقة أبي زيد الأنصاري بالبصرة.
ودخل الأخفش سعيد على محمد بن المهلب، فقال له محمد: من أين جئت فقال الأخفش: من عند القاضي يحيى بن أكثم، قال: فما جرى عنده قال: سألني عن الثقة المأمون المقدم من أصحاب الخليل بن أحمد من هو ومن الذي كان يوثق بعلمه فقلت: النضر بن شميل وسيبويه مؤرج السدوسي.
وكان الغالب على مؤرج المذكور اللغة والشعر، وله عدة تصانيف: منها كتاب الأنواء وهو كتاب حسن، وكتاب " غريب القرآن " وكتاب جماهير القبائل وكتاب المعاني وغير ذلك، واختصر نسب قريش في مجلد لطيف سماه " حذف نسب قريش ".
وكان قد رحل مع المأمون من العراق إلى خراسان، وسكن مدينة مرو، وقدم نيسابور وأقام بها وكتب عنه مشايخها، وكان له شعر، فمن ذلك مما أنشده هارون بن علي بن يحيى المنجم في كتابه المسمى ب " البارع "، وهو:
روعت بالبين حتى ما أراع لهوبالمصائب من أهلي وجيراني
لم يترك الدهر لي علقاً أضن به ... إلا اصطفاه بنأيٍ أو بهجران ثم قال ابن المنجم المذكور: وهذان البيتان من أملح ما قيل في معناهما، ومثلهما في معناهما لبعض المحدثين:
وفارقت حتى ما أروع من النوىوإن غاب جيران علي كرام
فقد جعلت نفسي على اليأس تنطوي ... وعيني على هجر الصديق تنام ومن هاهنا أخذ ابن التعاويذي المقدم ذكره قوله:
وها أنا لا قلبي يراع لفائت ... فيأسى ولا يلهيه حظ فيفرح وهذا البيت من جملة قصيدة يذكر فيها توجعه لذهاب بصره، فمنها قوله مشيراً إلى زوجته:
وباكية لم تشك فقداً ولا رمىبجيرتها الأدنين نأي مطوح
رمتها يد الأيام في ليث غابهابفادح خطبٍ والحوادث تفدح
رأت جللاً لا الصبر يجمل بالفتىعلى مثله يوماً، ولا الحزن يقبح
فلا غرو أن تبكي الدماء لكاسبلها كان يسعى في البلاد ويكدح
عزيز عليهما أن تراني جاثماًوما لي في الأرض البسيطة مسرح
وأن لا أقود العيش تنفح في البرىوجرد المذاكي في الأعنة تمرح
أظل حبيساً في قرارة منزلرهين أسى أمسى عليه وأصبح
مقامي منه مظلم الجو قاتمومسعاي ضنك وهو صمحان أفيح
أقاد به قود الجنيبة مسمحاًوما كنت لولا غدرة الدهر أسمح
كأني ميت لا ضريح لجنبهوما كل ميت لا أبالك يضرح
وها أنا لا قلبي يراع لفائتفيأسى، ولا يلهيه خظ فيفرح
فلله نصل فل مني غرارهوعود شباب عاد وهو مصوح
وسقياً لأيام ركبت بها الهوىجموحاً ومثلي في هوى الغيد يجمح
وماضي صبا قضيت منه لبانتيخلاساً وعين الدهر زرقاء تلمح
ليالي لي عند الغواني مكانةفألحاظها ترنو إلي وتطمح
وليلى بها أضعاف ما بي من الهوى ... أعرض بالشكوى لها فتصرح وهي طويلة طنانة يمدح بها الإمام الناصر لدين الله خليفة بغداد.
وقال المزرباني: وجدت بخط محمد بن العباس اليزيدي ما مثاله: أهدى أبو فيد مؤرج السدوسي إلى جدي محمد بن أبي كساء، فقال جدي فيه يمدحه:
سأشكر ما أولى ابن عمرو مؤرجوأمنحه حسن الثناء مع الود
أغر سدوسي نماه إلى العلىأب كان صباً بالمكارم والمجد
أتينا أبا فيد نؤمل سيبهونقدح زنداً غير كابٍ ولا صلد
فأصدرنا بالري والبذل واللهىوما زال محمود المصادر والورد
كساني ولم أستكسه متبرعاًوذلك أهنى ما يكون من الرفد
كسانيه فضفاضاً إذا ما لبستهتروحت مختالاً وجرت عن القصد
كساء جمال إن أردت جمالةوثوب شتاء إن خشيت من البرد
ترى حبكاً فيه كأن اطرداهافرند حديث صقله سل من غمد
سأشكر ما عشت السدوسي برهوأوصي بشكرٍ للسدوسي من بعدي وأخبار مؤرج كثيرة
وقال ابن النديم: وجدت بخط عبد الله بن المعتز: مؤرج بن عمرو السدوسي كان من أصحاب الخليل بن أحمد، توفي سنة خمس وتسعين ومائة، في اليوم الذي توفي فيه أبو نواس، وهذا يستقيم على قول من ذهب إلى أن أبا نواس
توفي سنة خمس وتسعين ومائة، وقد سبق الخلاف فيه.
ورأيت في كتاب الأنوار في أوله ما مثاله، قال أبو علي إسماعيل بن يحيى بن المبارك اليزيدي: قرأنا هذا الكتاب على المؤرج بجرحان ثم قدمنا مع المأمون العراق، سنة أربع ومائتين، فخرج المؤرج إلى البصرة ثم مات بها رحمه الله تعالى. وهذا خلاف للأول، والله أعلم بالصواب. وأما المؤرج فلا خلاف أنه مات في هذه السنة. وقد ذكره ابن قتيبة في كتاب المعارف وغيره. وفيد: بفتح الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة، وهو في الأصل ورد الزعفران، وقيل هو الزعفران بعينه.
ومؤرج: بضم الميم وفتح الواو المهموزة وكسر الراء المشددة وبعدها جيم، وهو اسم فاعل من قولهم أرجت بين القوم إذا أغريت بينهم.
وقد تقدم الكلام على السدوسي في ترجمة قتادة في حرف القاف.
وقيل: إن اسمه مرثد، ومؤرج لقب له، ومرثد: بفتح الميم والثاء المثلثة وراء ساكنة وفي الآخر دال مهملة، قال الجوهري في كتاب الصحاح: يقال رثدت المتاع: نضدته ووضعت بعضه على بعض أو إلى جنب بعض، ثم قال بعد ذلك: تركت بني فلان مرتثدين ما تحملوا بعد، أي ناضدين متاعهم، قال ابن السكيت: ومنه اشتق مرثد، وهو اسم رجل، والمرثد اسم من أسماء الأسد. وكان مؤرج يقول: اسمي وكنيتي غريبان، اسمي مؤرج، والعرب تقول أرجت بي القوم وأرشت وأنا أبو فيد، والفيد: ورد الزعفران، ويقال: فاد الرجل يفيد فيداً، إذا مات، والله أعلم بالصواب.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع