من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
الألوسي
أبو سعيد المؤيد بن محمد بن علي بن محمد الألوسي، الشاعر المشهور؛ كان من أعيان شعراء عصره كثير الغزل والهجاء، ومدح جماعة من رؤساء العراق، وله ديوان شعر، وكان منقطعاً إلى الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة، وله فيه مادئح جيدة.
ذكره محب الدبن ابن النجار في تاريخ بغداد فقال: هو عطاف بن محمد ابن علي بن أبي سعيد الشاعر المعروف بالمؤيد، ولد بألوس، قرية بقرب الحديثة، ونشأ بدجيل ودخل بغداد، وصار جاووشاً في أيام المسترشد بالله، وهجاه ابن الفضل الشاعر بأبيات؛ ثم إن المؤيد نظم الشعر فأكثر منه حتى عرف به ومدح وهجا، وكان قد لجأ إلى خدمة السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه - وقد تقد ذكره - قال: وتفسح في ذكر الإمام المقتفي وأصحابه بما لا ينبغي، فقبض عليه وسجن.
وذكره العماد الكاتب في كتاب الخريدة فقال: ترفع قدره وأثرى حاله، ونفق شعره، وكان له قبول حسن، واقتنى أملاكاً وعقاراً وكثر رياشه، وحسن معاشه، ثم عثر به الدهر عثرة صعب منها انتعاشه، وبفي في حبس الأمام المقتفي أكثر من عشر سنين إلى أن خرج في أول خلافة الإمام المستنجد
سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ولقيته حينئذ وقد غشي بصره من ظلمة المطمورة التي كان فيها محبوساً. وكان زيه زي الأجناد، وسافر إلى الموصل، وله شعر حسن غزل وأسلوب مطرب بنظم معجب، وقد يقع له في المعاني المبتكرة ما يندر، فمن ذلك قوله في صفة القلم:
ومثقف يغني ويفني دائماًفي طوري الميعاد والإيعاد
قلم يفل الجيش وهو عرموموالبيض ما سلت من الأغماد
وهبت له الآجام حين نشأ بها ... كرم السيول وهيبة الآساد قلت أنا: ولقد رأيت هذه الأبيات منسوبة إلى غيره، والله أعلم بالصواب.
ولم يقل في القلم أحسن من هذا المعنى. ولبعضهم في القلم أيضاً وهو في هذا المعنى:
وأرقش مرهوب الشباة مهفهفيشتت شمل الخطب وهو جميع
تدين له الآفاق شرقاً ومغرباوتعنو له أفلاكها وتطيع
حمى الملك مفطوماً كما كان يحتميبه الأسد في الآجام وهو رضيع ولبعضم أيضاً في هذا المعنى:
له قلم كقضاء الإلهبالسعد طوراً وبالنحس ماضي
فما فارق الأسد في حالتيهيبيساً وذا ورقات غضاض
ففي كف ليث الوغى في الندى ... وفي وجه ليث الشرى في الغياض ومعنى البيت الثالث مأخوذ من قول بعضهم في وصف طنبور:
وطنبور مليح الشكل يحكيبنغمته الفصيحة عندليبا
روى لما ذوى نغماً فصاحاًحواها في تقلبه قضيبا
كذا من عاشر العلماء طفلاًيكون إذا نشأ شيخاً أديبا
وهذا معنى مطروق أكثرت الشعراء استعماله، فمن ذلك قول بعضهم وهو أبو محمد عبد الله بن قاضي ميلة:
جاءت بعود يناغيها يسعدهاانظر بدائع ما يأتي به الشجر
غنت عليه ضروب الطير ساجعةحيناً فلما ذوى غنى به البشر
فلا يزال عليه الدهر مصطخبيهيجه الأعجمان: الطير والوتر ولبعضهم في المعنى أيضاً:
وعود له نوعان من لذة المنىفبورك جان يجتنيه وغارس
تغنت عليه وهو رطب طيروها ... وغنت عليه قينة وهو يابس ولولا خوف الإطالة والخروج عما نحن بصدده لذكرت عدة مقاطيع في هذا المعنى.
ولبهاء الدين زهير المقدم ذكره من قصيدة يمدح بها اقسيس بن الملك الكامل:
وتهتز أعواد المنابر باسمه ... فهل ذكرت أيامها وهي أغصان ثم قال العماد في بقية الترجمة: وكان ولده محمد ذكياً، وله شعر حسن، هاجر إلى الملك العادل نور الدين بالشام سنة أربعة وستين وكان يومئذ بصرخد، فمرض فأنفذه إلى دمشق، فمات في الطريق بقرية يقال لها رشيدة؛ انتهى كلا العماد.
ومن شعر المؤيد المذكور من جملة قصيدة له، رحمه الله تعالى:
فيا بردها من نفحة حاجريةعلى حر صدر ليس تخبو سمائمه
ويا حسنه طيفاً وشى نور وجههبطيفي فغطاني من الشعر فاحمه
يجول وشاحاه على غصن بانةسقاها الحيا فاخضر واهتز ناعمه
فلما رمى في شملنا الصبح بالنوىولم يبق منها غير معنى ألازمه
وقفت بجزوى وهي منها معالمقواء وجسمي قد تعفت معالمه
وقوف بناني في يميني ولم أقفوقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
ولم يبق لي رسماً بجسمي صدوهافيشجى بدمعي كلما انهل طاسمه
ولا مقلة أبقت فتغرم نظرةبثانية والمتلف الشيء غارمه
فلله وجدي في الركاب كأنهدموعي وقد حنت بليل روازمه
وقد مد من كف الثريا هلالها ... فقبلته حتى تهاوت مناظمه وهي قصيدة طويلة أجاد فيها، وقد وازن بها قصيدة المتنبي في سيف الدولة ابن حمدان التي أولها:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه وقد استعمل في قصيدته أنصاف أبيات من قصيدة المتنبي على وجه التضمين وأكثر شعره جيد.
وله أيضاً من جملة أبيات قالها وهو محبوس:
رحلوا فأفنيت الدموع تشوقاًمن بعدهم وعجبت إذ أنا باقي
وعلمت أن العود يقطر ماؤهعند الوقود لفرقة الأوراق
وأبيت مأسوراً وفرحة ذكركمعندي تعادل فرحة الإطلاق
لا تنكر البلوى سواد مفارقي ... فالحرق يحكم صنعة الحراق وكانت ولادته سنة أربع وتسعين وأربعمائة بألوس، ونشأ بها. وتوفي الخميس الرابع والعشرين مم شهر رمضان سنة سبع وخمسين وخمسمائة بالموصل، وكان خروجه من بغداد سنة ست وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
ولما ذكرت تاريخ ولاية المستنجد ذكرت نكتة غربية أحببت ذكرها، وهو ما أخبرني به بعض مشايخ العراق الفضلاء أن المستنجد رأى في منامه في حياة والده المقتفي كأن ملكاً نزل من السماء فكتب في كفه أربع خاءات، فلما استيقظ طلب معبر الرؤيا، فقص عليه مارآه، فقال له: تلي الخلافة في سنة خمس وخمسين وخمسمائة، فكان الأمر كذلك، وكان ذلك قبل وفاة والده بمدة.
والألوسي: بضم الهمزة واللام وبعدها واو ساكنة ثم سين مهملة، هذه النسبة إلى ألوس، وهي ناحية عند حديثة عانة على الفرات، هكذا ذكره عز الدين بن الأثير - المقدم ذكره - فيما استدركه على الحافظ ابن السمعاني، لأنه قال: ألوس موضع بالشام في الساحل عند طرسوس، وهو بغدادي الدار والمنشأ - لأنه دخل بغداد في صباه - وقيدها ابن النجار الآلسي ومد الهمزة وضم اللام، والله أعلم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع