تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

واصل بن عطاء

أبو حذيفة واصل بن عطاء المعتزلي، المعروف بالغزال، مولى بني ضبة، وقيل مولى بني مخزوم، كان أحد الأئمة البلغاء المتكلمين في علوم الكلام وغيره، وكان يلثغ بالراء فيجعلها غيناً، قال أبو العباس المبرد في حقه في كتاب " الكامل ": كان واصل بن عطاء أحد الأعاجيب، وذلك أنه كان ألثغ قبيح اللثغة في الراء، فكان يخلص كلامه من الراء ولا يفطن لذلك، لاقتداره على الكلام وسهولة ألفاظه ففي ذلك يقول الشاعر من المعتزلة وهو أبو الطروق الضبي يمدح بإطالة الخطب واجتنابه الراء على كثرة ترددها في الكلام، حتى كأنها ليست فيه:

عليم بإبدال الحروف وقامعلكل خطيبٍ يغلب الحق باطله وقال آخر:
ويجعل البر قمحاً في تصرفهوخالف الراء حتى احتال للشعر

ولم يطق مطراً، والقول يعجله ... فعاذ بالغيث إشفاقاً من المطر ومما يحكى عنه، وقد ذكر بشار بن برد فقال: أما لهذا الأعمى المكتني بأبي معاذ من يقتله أما والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ثم لا يكون إلا سدوسياً أو عقيلياً، فقال: هذا الأعمى، ولم يقل بشار ولا ابن برد ولا الضرير، وقال: من أخلاق الغالية، ولم يقل المغيرية ولا المنصورية، وقال: لبعثت، ولم يقل لأرسلت، وقال: على مضجعه، ولم يقل على مرقده ولا على فراشه، وقال: يبعج، ولم يقل يبقر، وذكر بني سدوس لأنه كان نازلاً فيهم.

وذكر السمعاني في كتاب " الأنساب " في ترجمة المعتزلي أن واصل بن عطاء كان يجلس إلى الحسن البصري ﵁، فلما ظهر الاختلاف وقالت الخوارج بتكفير مرتكبي الكبائر وقالت الجماعة بأنهم مؤمنون وإن فسقوا بالكبائر، فخرج واصل بن عطاء عن الفريقين وقال: إن من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر، منزلة بين منزلتين، فطرده الحسن عن مجلسه فاعتزل عنه، وجلس إليه عمرو بن عبيد، فقيل لهما ولأتباعهما: معتزلون - وقد أحلت في ترجمة عمرو بن عبيد على هذا الموضع في تبين الاعتزال ولأي معنى سموا بهذا الاسم، وقد ذكرت في ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي أنه الذي سماهم بذلك -.

وكان واصل بن عطاء المذكور يضرب به المثل في إسقاطه حرف الراء من كلامه، واستعمل الشعراء ذلك في شعرهم كثيراً، فمنه قول أبي محمد الخازن من جملة قصيدة طنانة طويلة يمدح بها الصاحب أبا القاسم إسماعيل بن عباد - المقدم ذكره - وهو:

نعم تجنب لا يوم العطاء كماتجنب ابن عطاء لفظة الراء وقال آخر في محبوب له ألثغ:
أعد لثغة لو أن واصل حاضرليسمعها ما أسقط الراء واصل وقال آخر:

أجعلت وصلي الراء لم تنطق به ... وقطعتني حتى كأنك واصل لله دره ما أحسن قوله: " وقطعتني حتى كأنك واصل "

وقال آخر:

فلا تجعلني مثل همزة واصل ... فيلحقني حذف ولا راء واصل وقال أبو عمر يوسف بن هارون الكندي الأندلسي القرطبي الرمادي الشاعر المشهور، إلا أنه لم يتعرض إلى ذكر واصل، وكانت وفاته سنة ثلاث وأربعمائة:

لا الراء تطمع في الوصال ولا أناالهجر يجمعنا فنحن سواء
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة

فإذا خلوت كتبتها في راحتي ... وقعدت منتحباً أنا والراء وهذا الباب متسع، فلا حاجة إلى الإطالة فيه، ويكفي هذا الأنموذج. وقد عمل الشعراء في اللثغة التي هي إبدال الثاء من السين شعراً كثيراً، فمن ذلك ما يعزى لأبي نواس، ولم أجدها في ديوانه، والله أعلم، إلا أن تكون رواية علي بن حمزة الأصبهاني، فإنها أكثر الروايات، ولم أكشف هذه الأبيات منها، وهي أبيات حلوة ظريفة:

وشادنٍ ساءلت عن اسمهفقال لي إثمي مرداث
بيات يعاطني سخاميةًوقال لي: قد هجع الناث
أما ترى حثن أكاليلنازينها النثرين والآث

فعدت من لثغته ألثغا ... فقلت: أين الطاث والكاث ولو شرعت في ذكر ما قيل على هذا النمط لطال الشرح. ولم أجد في لثغة الراء إلا قليلاً، فمن ذلك قول بعضهم:

أما وبياض الثغر ممن أحبهونقطة خال الخد في عطفة الصدغ
لقد فتنتني لثغة موصليةرمتني في تيار بحر هوى اللثغ
ومستعجم الألفاظ عقرب حديثهمسلطة دون الأنام على لدغي
يكاد أصم الصم عند حديثهإلى اللثغة الغناء من لفظه يصغي
يقول وقد قبلت واضح ثغرهوكان الذي أهوى ونلت الذي أبغي
وقد نفضت كأس الحميا وأظهرتعلى خده من لونها أحسن الصبغ

تغفق فغشف الخمع من كغم غيقتي ... يزيدك عند الشغب سكغاً على سكغ ولقد أجاد هذا الشاعر وجمع في البيت الأخير راءات كثيرة وأبدلها بالغين، وللخبز أرزي الشاعر المقدم ذكره في غلام يلثغ بالراء أيضاً لكنه لم يستعمل اللثغة إلا في آخر البيت الأخير من الأربعة أبيات:

وشادن بالكرخ ذي لثغةوإنما شرطي في اللثغ
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «وشادن بالكرخ ذي لثغة»
ما أشبه الزنبور في خصرهحتى حكى العقرب في الصدغ
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «وشادن بالكرخ ذي لثغة»
في فمه ترياق لدغٍ إذاأحرق قلبي شدة اللدغ

إن قلت في ضمي له أين هو ... تفديك روحي قال لا أدغي وقد تسلسل الكلام وخرجنا عن المقصود من أخبار واصل بن عطاء.

وكان طويل العنق جداً بحيث كان يعاب به، وفيه يقول بشار بن برد الشاعر المشهور المقدم ذكره:

ماذا منيت بغزال له عنقكنقنق الدو إن ولى وإن مثلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ماذا منيت بغزال له عنق»

عنق الزرافة، ما أبالي وبالكم ... تكفرون رجالاً كفروا رجلا وكانت بينهما منافسات وأحقاد، وقد تقدم كلام واصل في حق بشار.

وقال المبرد في كتاب " الكامل ": لم يكن واصل بن عطاء غزالاً، ولكنه كان يلقب بذلك لأنه كان يلازم الغزالين ليغرف المتعففات من النساء فيجعل صدقته لهن، ثم قال: وكان طويل العنق، ويروى عن عمرو بن عبيد أنه نظر إليه من قبل أن يكلمه فقال: لا يصلح هذا ما دامت عليه هذه العنق.

وله من التصانيف كتاب " أصناف المرجئة " وكتاب " التوبة "، وكتاب " المنزلة بين منزلتين " وكتاب خطبته التي أخرج منها الراء، وكتاب " معاني القرآن " وكتاب " الخطب في التوحيد والعدل " وكتاب ما جرى بينه وبين عمرو بن عبيد وكتاب " السبيل إلى معرفة الحق " وكتاب في " الدعوة " وكتاب " طبقات أهل العلم والجهل " وغير ذلك.

وأخباره كثيرة. وكانت ولادته سنة ثمانين للهجرة بمدينة الرسول ﷺ، وتوفي سنة إحدى وثمانين ومائة، رحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حَرفُ الواو

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.