تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

البحتري

ديوان البحتري

ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن البحتري؟

أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد بن شملال بن جابر بن سلمة بن مسهر بن الحارث بن خيثم بن أب حارثة بن جدي بن تدول بن بحتر بن عتود بن عنين بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة، وهو طيء بن ادد بن زيدان بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، الطائي البحتري الشاعر المشهور، ولد بمنبج، وقيل بزردفنة وهي قرية من قراها، ونشأ وتخرج بها، ثم خرج إلى العراق ومدح جماعة من الخلفاء أولهم المتوكل على الله، وخلقاً كثيراً من الأكابر والرؤساء، وأقام ببغداد دهراً طويلاً ثم عاد إلى الشام، وله أشعار كثيرة ذكر قيها حلب وضواحيها، وكان يتغزل بها، وقد روى عنه أشياء من شعره أبو العباس المبرد ومحمد بن خلف بن المرزبان والقاضي أبو عبد الله المحاملي ومحمد بن أحمد الحكيمي وأبو بكر الصولي وغيرهم.

قال صالح بن الأصبغ التنوخي المنبجي: رأيت البحتري هاهنا عندنا قبل أن يخرج إلى العراق، يجتاز بنا الجامع من هذا الباب، وأومأ إلى جنبتي المسجد، يمدح أصحاب البصل والباذنجان، وينشد الشعر في ذهابه ومجيئه، ثم كان منه ما كان، وعلوة التي شبب بها في كثير من أشعاره هي بنت زريقة الحلبية، وزريقة أمها.

وحكى أبو بكر الصولي في كتابه الذي وضعه في " أخبار أبي تمام الطائي " أن البحتري كان يقول: أول أمري في الشعر ونباهتي فيه أني صرت إلى أبي تمام وهو بحمص، فعرضت عليه شعري، وكان يجلس فلا يبقى شاعر إلا قصده وعرض عليه شعره، فلما سمع شعري أقبل علي وترك سائر الناس، فلما تفرقوا قال لي: أنت أشعر من أنشدني، فكيف حالك فشكوت خلة، فكتب إلى أهل معرة النعمان، وشهد لي بالحذق وشفع لي إليهم وقال لي: امتدحهم، فصرت إليهم فأكرموني بكتابه ووظفوا لي أربعة آلاف درهم، فكانت أول مال أصبته.

وقال أبو عبادة المذكور: أول ما رأيت أبا تمام، وما كنت رأيته قبلها، أني دخلت أبي سعيد محمد بن يوسف، فامتدحته بقصيدتي التي أولها:

أأفاق صب من هوى فأفيقا ... أم خان عهداً أم اطاع شفيقا فأنشدته إياها، فلما أتممتها سر بها، وقال لي: أحسن الله إليك يا فتى، فقال له رجل في المجلس: هذا، أعزك الله، شعري علقه هذا الفتى، فسبقني به إليك، فتغير أبو سعيد وقال لي: يا فتى، قد كان في نسبك وقرابتك ما يكفيك أن تمت به إلينا، ولا تحمل نفسك على هذا، فقلت: هذا شعري أعزك

الله، فقال الرجل: سبحان الله يا فتى لا تقل هذا، ثم ابتدأ فأنشد من القصيدة أبياتاً، فقال لي أبو سعيد: نحن نبلغك ما تريد، ولا تحمل نفشك على هذا، فخرجت متحيراً لا أدري ما أقول، ونويت أن أسأل عن الرجل من هو، فما بعدت حتى ردني أبو سعيد ثم قال لي: جنيت عليك فاحتمل، أتدري من هذا فقلت: لا، قال: هذا ابن عمك، حبيب بن أوس الطائي لأبو تمام، فقم إليه، فقمت إليه فعانقته. ثم أقبل علي يقرظني ويصف شعري وقال: إنما مزحت معك، فلزمته بعد ذلك وكثر عجبي من سرعة حفظه.

وروى الصولي أيضاً في كتابه المذكور أن أبا تمام راسل أم البحتري في التزوج بها، فأجابته وقالت له: اجمع الناس للإملاك، فقال: الله أجل من أن يذكر بيننا، ولكن نتصافح ونتسافح.

وقيل للبحتري: أيما أشعر أنت أم أبو تمام فقال: جيده خير من جيدي ورديئي خير من رديئه.

وكان يقال لشعر البحتري: سلاسل الذهب، وهو في الطبقة العليا.

ويقال إنه قيل لأبي العلاء المعري: أي الثلاثة أشعر، أبو تمام أم البحتري أم المتنبي فقال: حكيمان والشاعر البحتري. ولعمري ما أنصفه ابن الرومي في قوله:

والفتى البحتري يسرق ما قال ابن أوس في المدح والتشبيب

كل بيت له يجود معنا ... هـ فمعناه لابن أوس حبيب وقال البحتري: أنشدت أبا تمام شيئاً من شعري، فأنشدني بيت أوس بن حجر:

إذا مقرم منا ذرا حد نابهتخمط فينا ناب آخر مقرم

وقال: نعيت إلي نفسي، فقلت: أعيذك بالله من هذا، فقال: إن عمري ليس يطول وقد نشأ لطيءٍ مثلك، أما علمت أن خالد بن صفوان المنقري رأى شبيب بن شبيبة، وهو من رهطه وهو يتكلم فقال: يا بني، نعى نفسي إلي إحسانك في كلامك، لأنا أهل بيت ما نشأ فينا خطيب إلا مات من قبله، قال: فمات أبو تمام بعد سنة من هذا.

وقال البحتري: أنشدت أبا تمام شعراً لي في بعض بني حميد وصلت به إلى مال خطر، فقال لي: أحسنت، أنت أمير الشعر بعدي، فكان قوله هذا أحب إلى من جميع ما حويته.

وقال ميمون بن هارون: رأيت أبا جعفر أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري المؤرخ، وحاله متماسكة، فسألته، فقال: كنت من جلساء المستعين فقصده الشعراء، فقال: لست أقبل إلا ممن قال مثل قول البحتري في المتوكل:

ولو أن مشتاقاً تكلف فوق ما ... في وسعه لمشى إليك المنبر فرجعت إلى داري وأتيته وقلت: قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري فقال: هاته، فأنشدته:

ولو أن برد المصطفى إذ لبستهيظن لظن البرد أنك صاحبه

وقال - وقد أعطيته ولبسته -: ... نعم، هذه أعطافه ومناكبه فقال: ارجع إلى منزلك، وافعل ما آمرك به، فرجعت، فبعث إلي سبعة آلاف دينار، وقال: ادخر هذه للحوادث من بعدي، ولك علي الجراية والكفاية ما دمت حياً.

وللمتنبي في هذا المعنى:

لو تعقل الشجر التي قابلتهامدت مُحيية إليك الأغصنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

وسبقهما أبو تمام بقوله:

لو سعت بقعة لإعظام نعمى ... لسعى نحوها المكان الجديب والبيت الذي للبحتري من جملة قصيدة طويلة أحسن فيها كل الإحسان، يمدح بها أبا الفضل جعفراً المتوكل على الله، ويذكر خروجه لصلاة عيد الفطر، وأولها:

أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر ... وألام من كمد عليك وأعذر والأبيات التي يرتبط بها البيت المقدم ذكره هي:

بالبر صمت وأنت أفضل صائموبسنة الله الرضية تفطر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
فانعم بيوم الفطر عيناً إنهيوم أغر من الزمان مشهر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
أظهرت عز الملك فيه بجحفللجبٍ يحاط الدين فيه وينصر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
خلنا الجبال تسير فيه وقد غدتعدداً يسير به العديد الأكثر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
فالخيل تصهل، والفوارس تدعيوالبيض تلمع، والأسنة تزهر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
والأرض خاشعة تميد بثقلهاوالجو معتكر الجوانب أغبر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
والشمس طالعة توقد في الضحىطوراً ويطفيها العجاج الأكدر
حتى طلعت بضوء وجهك فانجلىذاك الدجى وانجاب ذاك العثير
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
فافتن فيك الناظرون فإصبعيومى إليك بها وعين تنظر
يجدون رؤيتك التي فازوا بهامن أنعم الله التي لا تكفر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
ذكروا بطلعتك النبي فهللوالما طلعت من الصفوف وكبروا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
حتى انتهيت إلى المصلى لابساًنور الهدى يبدو عليك ويظهر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
ومشيت مشياً خاشعٍ متواضعٍلله لا يزهى ولا يتكبر
فلو أن مشتاقاً تكلف غير مافي وسعه لمشى إليك المنبر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
أيدت من فصل الخطاب بحكمةٍتنبي عن الحق المبين وتخبر

ووقفت في برد النبي مذكراً ... بالله تنذر تارةً وتبشر هذا القدر هو المقصود مما نحن فيه، وهذا الشعر هو السحر الحلال على الحقيقة، والسهل الممتنع، فلله دره! ما أسلس قياده وأعذب ألفاظه، وأحسن سبكه وألطف مقاصده، وليس من الحشو شيء، بل جميعه نخب.

وديوانه موجود وشعره سائر، فلا حاجة إلى الإكثار منه هاهنا، لكن نذكر من وقائعه ما يستظرف: فمن ذلك أنه كان له غلام اسمه نسيم فباعه، فاشتراه أبو الفضل بن وهب الكاتب - وقد سبق ذكر أخيه سليمان في حرف السين - ثم إن البحتري ندم على بيعه وتتبعته نفسه، فكان يعمل فيه الشعر ويذكر أنه خدع وأن بيعه لم يكن من مراده، فمن ذلك قوله:

أنسيم هل للدهر وعد صادقفيما يؤمله المحب الوامق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنسيم هل للدهر وعد صادق»
ما لي فقدت في المنام ولم تزلعون المشوق إذا جفاه الشائق
أمنعت أنت من الزيارة رقبةًمنهم فهل منع الخيال الطارق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنسيم هل للدهر وعد صادق»
اليوم جاز بي الهوى مقدارهفي أهله وعلمت أني عاشق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنسيم هل للدهر وعد صادق»
فليهنئ الحسن بن وهب أنهيلقى أحبته ونحن نفارق وله فيه أشعار كثيرة

ومن أخباره أنه كان لحلب شخص يقال له طاهر بن محمد الهاشمي، مات أبوه وخلف له مقدار مائة ألف دينار، فأنفقها على الشعراء والزوار في سبيل الله، فقصده البحتري من العراق، فلما وصل إلى حلب قيل له: إنه قد قعد في بيته لديون ركبته، فاغتم البحتري لذلك غماً شديداً وبعث المدحة إليه مع بعض مواليه، فلما وصلته ووقف عليه بكى، ودعا بغلام له وقال له: بع داري، فقال له: أتبيع دارك وتبقى على رؤوس الناس فقال: لا بد من بيعها، فباعها

بثلثمائة دينار فأخذ صرة وربط فيها مائة دينار، وأنفذها إلى البحتري، وكتب إليه معه رقعة فيها هذه الأبيات:

لو يكون الحباء حسب الذي أنت لدينا به محل وأهل
للشاعر البحتري، من قصيدة «لَوْ يَكُونُ الحِبَاءُ حَسْبَ الذي أنْت»
لحبيب اللجين والدر والياقوت حثواً وكان ذاك يقل

والأديب والأريب بالعذ ... ر إذا قصر الصديق المقل فلما وصلت الرقعة إلى البحتري رد الدنانير، وكتب إليه:

بأبي أنت والله للبر أهلوالمساعي بعد وسعيك قبل
والنوال القليل يكثر إن شاء مرجيك والكثير يقل
للشاعر البحتري، من قصيدة «بأبي أنت للبر أهل»
غير أني رددت برك إذ كان رباً منك، والربا لا يحل
للشاعر البحتري، من قصيدة «بأبي أنت للبر أهل»

وإذا ما جزيت شعراً بشعر ... قضي الحق، والدنانير فضل فلما عادت الدنانير إليه حل الصرة، وضم خمسين ديناراً أخرى، وحلف أنه لا يردها عليه، وسيرها، فلما وصلت إلى البحتري أنشأ يقول:

شكرتك إن الشكر للعبد نعمةومن يشكر المعروف فالله زائده

لكل زمانٍ واحد يقتدى به ... وهذا زمان أنت لا شك واحده وكان البحتري كثيراً ما ينشد لشاعر أنسي اسمه، ويعجبه قوله:

حمام الأراك ألا فاخبرينالمن تندبين ومن تعولينا
فقد شقت بالنوح منا القلوبوأبكيت بالندب منا العيونا
تعالي نقم مأتماً للهمومونعول إخواننا الظاعنينا

ونسعدكن وتسعدننا ... فإن الحزين يواسي الحزينا ثم إني وجدت هذه الأبيات لنبهان الفقعسي من العرب.

وكان البحتري قد اجتاز بالموصل، وقيل برأس عين، ومرض بها مرضاً

شديداً، وكان الطبيب يختلف إليه ويداويه، فوصف له يوماً مزورة، ولم يكن عنده من يخدمه سوى غلامه، فقال للغلام: اصنع هذه المزورة، وكان رؤساء البلد عنده حاضراً، وقد جاء يعوده، فقال ذاك الرئيس: هذا الغلام ما يحسن طبخها، وعندي طباخ من صفته وصفته، وبالغ في حسن صنعته، فترك الغلام عملها اعتماداً على ذلك الرئيس وقعد البحتري ينتظرها، واشتعل الرئيس عنها ونسي أمرها، فلما أبطأت عنه وفات وقت وصولها إليه، كتب إلى الرئيس:

وجدت وعدك زوراً في مزورةحلفت مجتهداً إحكام طاهيها
فلا شفى الله من يرجو الشفاء بهاولا علت كف ملق كفه فيها
للشاعر البحتري، من قصيدة «وجدت وعدك زورا في مزورة»

فاحبس رسولك عني أن يجيء بها ... فقد حبست رسولي عن تقاضيها وأخباره ومحاسنه كثيرة فلا حاجة إلى الإطالة. ولم يزل شعره غير مرتب حتى جمعه أبو بكر الصولي ورتبه على الحروف، وجمعه أيضاً علي بن حمزة الأصبهاني، ولم يرتبه على الحروف بل على الأنواع كما صنع بشعر أبي تمام.

وللبحتري أيضاً كتاب " حماسة " على مثال " حماسة أبي تمام " وله كتاب " معاني الشعر ": وكانت ولادته سنة ست وقيل خمس ومائتين، وتوفي سنة أربع وثمانين وقيل خمس وثمانين وقيل ثلاث وثمانين ومائتين، والأول أصح والله أعلم. وقال ابن الجوزي في كتاب " أعمار الأعيان ": توفي البحتري وهو ابن ثمانين سنة، والله أعلم بالصواب، وكان موته بمنبج، وقيل بحلب، والأول أصح.

وقال الخطيب في " تاريخ بغداد ": إنه كان يكنى أبا الحسن وأبا عبادة، فأشير عليه في أيام المتوكل أن يقتصر على أبي عبادة فإنها أشهر، ففعل.

وأهل الأدب كثيراً ما يسألون عن قول أبي العلاء المعري:

وقال الوليد: النبع ليس بمثمر ... وأخطأ، سرب الوحش من تمر النبع فيقولون: من هو الوليد المذكور وأين قال النبع ليس بمثمر ولقد سألني عنه جماعة كثيرة، والمراد بالوليد هو البحتري المذكور، وله قصيدة طويلة يقول فيها:

وعيرتني سجال العدم جاهلة ... والنبع عريان ما في فرعه ثمر وهذا البيت هو المشار إليه في بيت المعري، وإنما ذكرت هذا لأنه فائدة تستفاد.

وعبيد الله وأخوه أبو عبادة، ابنا يحيى بن الوليد البحتري، اللذان مدحهما المتنبي في قصائده، هما حفيدا البحتري الشاعر المذكور، وكانا رئيسين في زمانهما.

والبحتري: بضم الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة وضم التاء المثناة من فوقها وبعدها راء، هذه النسبة إلى بحتر، وهو أحد أجداده، كما تقدم ذكره في عمود نسبه.

وزردفنة: بفتح الزاي وسكون الراء وفتح الدال المهملة، وسكون الفاء وفتح النون وبعدها هاء ساكنة، وهي قرية من قرى منبج، بالقرب منها.

ومنبج: بفتح الميم وسكون النون وكسر الباء الموحدة وبعدها جيم، وهي بلدة بالشام بين حلب والفرات بناها كسرى لما غلب على الشام، وسماها منبه، فعربت فقيل منبج، ولكونها وطن البحتري كان يذكرها في شعره كثيراً، فمن ذلك قوله في آخر قصيدة طويلة يخاطب بها الممدوح، وهو أبو جعفر محمد بن حميد بن عبد الحميد الطوسي:

لا أنسين زمناً لديك مهذباًوظلال عيش كان عندك سجسج
للشاعر البحتري، من قصيدة «لم يبق في تلك الرسوم بمنعج»

في نعمة أوطنتها وأقمت في ... أفيائها فكأنني في منبج وكان البحتري مقيماً في العراق في خدمة المتوكل والفتح بن خاقان، وله الحرمة التامة، فلما قتلا، كما هو مشهور في أمرهما، رجع إلى منبج، وكان يحتاج للترداد إلى الوالي بسبب مصالح أملاكه، ويخاطبه بالأمير لحاجته إليه، ولا تطاوعه نفسه إلى ذلك، فقال منها:

مضى جعفر والفتح بين مرملٍوبين صبيغ بالدماء مضرج
للشاعر البحتري، من قصيدة «بعينيك ضوء الأقحوان المفلج»
أأطلب أنصاراً على الدهر بعدماثوى منهما في الترب أوسي وخزرجي
للشاعر البحتري، من قصيدة «بعينيك ضوء الأقحوان المفلج»
أولئك ساداتي الذين بفضلهمحلبت أفاويق الربيع المثجج
للشاعر البحتري، من قصيدة «بعينيك ضوء الأقحوان المفلج»

مضوا أمماً وخلفت بعدهم ... أخاطب بالتأمير والي منبج وذكر المسعودي في " مروج الذهب " أن هارون الرشيد اجتاز ببلاد منبج ومعه عبد الملك بن صالح وكان أفصح ولد العباس في عصره، فنظر إلى قصر مشيد وبستان معتمر بالأشجار كثير الثمار، فقال: لمن هذا فقال: هو لك ولي بك يا أمير المؤمنين، وقال: كيف بناء هذا القصر قال: دون منازل أهلي، وفوق منازل الناس. قال: فكيف مدينتك قال: عذبة الماء باردة الهواء، صلبة الموطأ قليلة الأدواء، قال: فكيف ليلها قال: سحر كله، انتهى كلام المسعودي.

وعبد الملك المذكور هو أبو عبد الرحمن عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ﵁. وكانت منبج إقطاعاً له وكان مقيماً بها. وتوفي سنة تسع وتسعين ومائة بالرقة، رحمه الله تعالى. وله بلاغة وفصاحة أضربت عن ذكرها خوف الإطالة.

وذكر ياقوت الحموي في كتابه " المشترك ": باب السقيا خمسة مواضع،

ثم قال في آخر هذا الباب: والخامس قرية على باب منبج ذات بساتين، وهي وقف على ولد البحتري الشاعر، وقد ذكرها أبو فراس بن حمدان في شعره.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حَرفُ الواو

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.