تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

ابن الشجري

ديوان ابن الشجري البغدادي

ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن ابن الشجري البغدادي؟

الشريف أبو السعادات هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة الحسني، المعروف بابن الشجري البغدادي، كان إماماً في النحو واللغة وأشعار العرب وأيامها وأحوالها كامل الفضائل، متضلعاً من الآداب صنف فيها عدة تصانيف، فمن ذلك كتاب " الأمالي "، وهو أكبر تواليفه وأكثرها إفادة، أملاه في أربعة وثمانين مجلساً، وهو يشتمل على فوائد جمةمن فنون الأدب، وختمه بمجلس قصره على أبيات من شعر أبي الطيب المتنبي تكلم عليها وذكر ما قاله الشراح فيها وزاد من عنده ما سنح له، وهو من الكتب الممتعة، ولما فرغ من إملائه حضر إليه أبو محمد بن عبد الله المعروف بابن الخشاب - المقدم ذكره - والتمس منه سماعه عليه فلم يجبه إلى ذلك، فعاداه ورد عليه في مواضع من الكتاب ونسبه فيها إلى الخطأ، فوقف أبو السعادات المذكور على ذلك الرد، فرد عليه في رده وبين وجوه غلطه، وجمعه كتاباً سماه " الانتصار " وهو على صغر حجمه مفيد جداً، وسمعه عليه الناس، وجمع أيضاً كتاباً سماه " الحماسة " ضاهى به حماسة أبي تمام الطائي، وهو كتاب غريب مليح أحسن فيه، وله في النحو عدة تصانيف وله " ما اتفق لفظه واختلف معناه " وشرح " اللمع " لابن جني، وشرح " التصريف الملوكي ".

وكان حسن الكلام حلو الألفاظ فصيحاً جيد البيان والتفهيم، وقرأ الحديث بنفسه على جماعة من الشيوخ المتأخرين مثل أبي الحسن المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم الصيرفي، وأبي علي محمد بن سعيد بن نبهان الكاتب وغيرهما.

وذكره الحافظ أبو سعج بن السمعاني في كتاب " الذيل "، وقال: اجتمعنا في دار الوزير أبي القاسم علي بن طراد الزينبي وقت قراءتي عليه الحديث، وعلقت عنه شيئاً من الشعر في المدرسة، ثم مضيت إليه وقرأت عليه جزءاً من أمالي أبي العباس ثعلب النحوي.

وحكى أبو البركات عبد الرحمن بن الأنباري النحوي - المقدم ذكره - في كتابه الذي سماه " مناقب الأدباء " أن العلامة أبا القاسم محمود الزمخشري - المقدم ذكره - لما قدم بغداد قاصداً الحج في بعض أسفاره مضى إلى زيارة شيخنا أبي السعادات ابن الشجري ومضينا معه إليه، فلما اجتمع به أنشده قول المتنبي:

واستكبر الأخبار قبل لقائهفلما التقينا صغر الخبرَ الخبرُ ثم أنشده بعد ذلك:
كانت مساءلة الركبان تخبرناعن جعفر بن فلاح أحسن الخبرِ
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «كانت مساءلة الركبان تخبرنا»

ثم التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري وهذان البيتان قد تقدم ذكرهما في ترجمة جعفر بن فلاح، وهما منسوبان

إلى أبي القاسم محمد ابن هانئ الأندلسي - وقد تقدم ذكره أيضاً - وينسبان إلى غيره أيضاً، والله أعلم.

قال ابن الأنباري، فقال العلامة الزمخشري: روي عن النبي ﷺ أنه لما قدم عليه زيد الخيل قال له: " يا زيد، ما وصف لي أحد في الجاهلية فرأيته في الإسلام إلا دون ما وصف لي، غيرك ". قال ابن الأنباري، فخرجنا من عنده ونحن نعجب، كيف يستشهد الشريف بالشعر والزمخشري بالحديث وهو رجل عجمي

وهذا الكلام، وإن لم يكن عين كلام ابن الأنباري، فهو في معناه، لأني لم أنقله من الكتاب، بل وقفت عليه منذ زمان وعلق بخاطري، وإنما ذكرت هذا لأن الناظر قد يقف على كتاب ابن الأنباري فيجد بين الكلامين اختلافاً فيظن أني تسامحت في النقل.

وكان أبو السعادات المذكور نقيب الطالبيين بالكرخ نيابة عن والده الطاهر، وله شعر حسن فمن ذلك قصيدة يمدح بها الوزير نظام الدين أبا نصر المظفر بن علي بن محمد بن جهير، أولها:

هذي السديرة والغدير الطافحفاحفظ فؤادك إنني لك ناصح
يا سدرة الوادي الذي إن ضله الساري هداه نشره المتفاوح
هل عائد قبل الممات لمغرمٍعيش تقضى في ظلالك صالح
ما أنصف الرشأ الضنين بنظرةلما دعا مصغي الصبابة طامح
شط المزار به وبوئ منزلاًبصميم قلبك فهو دانٍ نازح
غصن يعطفه النسيم وفوقهقمر يحف به ظلام جانح
وإذا العيون تساهمته لحاظهالم يرو منه الناظر المتراوح
ولقد مررنا بالعقيق فشاقنافيه مراتع للمها ومسارح
ظلنا به نبكي فكم من مضمرٍوجداً أذاع هواه دمع سافح
مرت الشؤون رسومها فكأنماتلك العراص المقفرات نواضح
يا صاحبي تأملا حييتماوسقى دياركما الملث الرائح
أدمى بدت لعيوننا أم ربربأم خرد أكفالهن رواجح
أم هذه مقل الصوار رنت لناخلل البراقع أم قنا وصفائح
لم يبق جارحة وقد واجهتناإلا وهن لها بهن جوارح
كيف ارتجاع القلب من أسر الهوىومن الشقاوة أن يراض القارح

لو بله من ماء ضارج شربة ... ما أثرت للوجد فيه لواقح ومن هاهنا يخرج إلى المديح فأضربت عنه خوف الإطالة، ولم يكن المقصود إلا إثبات شيء من نظمه ليستدل به على طريقه فيه.

ومن شعره أيضاً:

هل الوجد خافٍ والدموع شهودوهل مكذب قول الوشاة جحود
للشاعر ابن الشجري البغدادي، من قصيدة «هل الوجد خاف والدموع شهود»
وحتى متى تفي شؤونك بالبكاوقد حد حداً للبكاء لبيد

وإني وإن جفت قناتي كبرة ... لذو مرة في النائبات جليد وفيه إشارة إلى أبيات لبيد بن ربيعة العامري:

تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهماوهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما»
فقوما فنوحا بالذي تعلمانهولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعر
وقولا: هو المرء الذي لا صديقهأضاع، ولا خان العهود ولا غدر

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر وإلى هذا أشار أبو تمام الطائي بقوله:

ظعنوا فكان بكاي حولاً بعدهم ... ثم ارعويت وذاك حكم لبيد وقال الشريف أبو السعادات المذكور: أنشدني أبو إسماعيل الحسين الطغرائي - قلت: قد تقدم ذكره - لنفسه:

وإذا لم تكن ملكاً مطاعاًفكن عبداً لمالكه مطيعاً
وإن لم تملك الدنيا جميعاًكما تهواه فاتركها جميعا
هما سببان من ملك ونسكٍينيلان الفتى الشريف الرفيعا

فمن يقنع من الدنيا بشيء ... سوى هذين عاش بها وضيعا وكان بين أبي السعادات المذكور وبين أبي محمد الحسن بن أحمد بن محمد بن جكينا البغدادي الحريمي الشاعر المشهور - وهو المذكور في ترجمة أبي محمد القاسم بن علي الحريري صاحب المقامات - تنافس جرت العادة بمثله بين أهل الفضائل، فلما وقف على شعره عمل فيه قوله:

يا سيدي والذي يعيذك مننظم قريض يصدا به الفكر
مالك من جدك النبي سوىأنك ما ينبغي لك الشعر وشعره وماجراياته كثيرة، والاختصار أولى

وكانت ولادته في شهر رمضان سنة خمسين وأربعمائة. وتوفي في يوم الخميس السادس والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ودفن من الغد في داره بالكرخ من بغداد، رحمه الله تعالى.

والشجري: بفتح الشين المعجمة والجيم وبعدها راء، هذه النسبة إلى شجرة، وهي قرية من أعمال المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وشجرة أيضاً اسم رجل، وقد سمت به العرب ومن بعدها، وقد انتسب إليه خلق كثير من العلماء وغيرهم ولا أدري إلى من ينتسب الشريف المذكور منهما هل نسبته إلى القرية، أم إلى أحد أجداده كان اسمه شجرة، والله أعلم.

وقد تقدم الكلام على الكرخ في ترجمة معروف الكرخي، ﵁، فأغنى عن إعادته.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حَرفُ الهَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.