من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
ابن سناء الملك
ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن ابن سناء الملك؟
القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن القاضي الرشيد أبي الفضل جعفر بن المعتمد سناء الملك أبي عبد الله محمد بن هبة الله بن محمد السعدي، الشاعر المشهور، المصري صاحب الديوان الشعر البديع والنظم الرائق، أحد الفضلاء الرؤساء النبلاء، وكان كثير التخصص والتنعم وافر السعادة محظوظاً من الدنيا، أخذ الحديث عن الحافظ أبي الطاهر أحمد بن محمد ابن أحمد السلفي الأصبهاني رحمه الله تعالى،
واختصر كتاب " الحيوان " للجاحظ، وسمى المختصر " روح الحيوان " وهي تسمية لطيفة [وله كتاب مصايد الشوارد]، وله ديوان جميعه موشحات سماه " دار الطراز " وجمع شيئاً من الرسائل الدائرة بينه وبين القاضي الفاضل وفيه كل معنى مليح.
واتفق في عصره بمصر جماعة من الشعراء المجيدين، وكان لهم مجالس يجري بينهم فيها مفاكهات ومحاورات يروق سماعها. ودخل في ذلك الوقت إلى مصر شرف الدين بن عنين - المقدم ذكره في المحمدين - فاحتفلوا به وعملوا له وكانوا يجتمعون على أرغد عيش، وكانوا يقولون: هذا شاعر الشام، وجرت لهم محافل سطرت عنهم، ولولا خشية التطويل لذكرت بعضها.
ومن محاسن شعره بيتان من جملة قصيدة يمدح بها القاضي الفاضل رحمه الله تعالى، وهما:
ولو أبصر النظام جوهر ثغرهالما شك فيه أنه الجوهر الفرد
ومن قال إن الخيزرانة قدهافقولوا له إياك أن يسمع القد ومن شعره أيضاً:
لا الغصن يحكيك ولا الجؤذرحسنك مما كثروا أكثر
يا باسماً أبدى لنا ثغرهعقداً ولكن كله جوهر
قال لي اللاحي: أما تسمعفقلت: يا لاحي أما تبصر وله يتغزل بجارية عمياء:
شمس بغير الشعر لم تحتجبوفي سوى العينين لم تكسف
مغمدة المرهف لكنهاتجرح بالجفن بلا مرهف
رأيت منها الخلد في جؤذرومقلتي يعقوب في يوسف وله في غلام ضرب ثم حبس:
بنفسي من لم يضربوه لريبةولكن ليبدو الورد في سائر الأغصان
ولم يودعوه السجن إلا مخافةمن العين أن تعدو على ذلك الحسن
وقالوا له شاركت في الحسن يوسفا ... فشاركه أيضاً في الدخول إلى السجن [وله في غلام جميل الصورة حفر حومة التلاق فأصابه حجر فانكسرت أسنانه فقال:
نثر الجهر عقد ثغر حبيبيفدموعي عليه تحكي انتثاره
كل سن كالأقحوانة كانتفغدت بالدماء كالجلناره
كان في حومة التلاق وما كان بعيداً في جملة النظاره
فأتته الحجارة شوقاً وزارتهـ فلا مرحباً بتلك الزياره
كيف ينسى الفؤاد ثغر حبيبحسدتني عليه تلك الحجارة] وله من جملة أبيات:
وما كان تركي حبه عن ملالةولكن لأمر يوجب القول بالترك
أراد شريكاً في الذي كان بينناوإيمان قلبي قد نهاني عن الشرك
وله أيضاً:
يا عاطل الجيد إلا من محاسنهعطلت فيك الحشا إلا من الحزن
في سلك جسمي در الدمع منتظمفهل لجيدك في عقد بلا ثمن
لا تخش مني فإنني ضنى ... وما النسيم بمخشيٍ على الغصن وهذا البيت مأخوذ من قول ابن قلاقس - وقد تقدم ذكره في ترجمته - وهو:
أعندما همت به روضة ... أعل جسمي لأكون النسيم ومن نثره في وصف النيل في سنة كان ناقصاً، ولم يوف الزيادة التي جرت بها العادة، يقال إنه كتبه من جملة رسالة إلى القاضي الفاضل، وهو: " وأما أمر الماء فإنه نضبت مشارعه، وتقطعت أصابعه، وتيمم العمود لصلاة الاستسقاء، وهم المقياس من الضعف بالاستلقاء " وهذا من أحسن ما يوصف به نقصان النيل.
وكان بمصر شاعر يقال له أبو المكارم هبة الله بن وزير بن مقلد الكاتب، فبلغ القاضي السعيد المذكور عنه أنه هجاه، فأحضره إليه وأدبه وشتمه، وكتب إليه نشو الملك أبو الحسن علي بن مفرج المعري الأصل، المصري الدار والوفاة، المعروف بابن المنجم، الشاعر المعروف:
قل للسعيد أدام الله نعمتهصديقنا ابن وزير كيف تظلمه
صفعته إذ غدا يهجوك منتقماًفكيف من بعد هذا ظللت تشتمه
هجو بهجو، وهذا الصفع فيه رباًوالشرع ما يقتضيه، بل يحرمه
فإن تقل ما لهجو عنده ألم ... فالصفع والله أيضاً ليس يؤلمه ولما مدح السعيد المذكور شمس الدولة توران شاه أخا السلطان صلاح الدين - المقدم ذكره في حرف التاء - بقصيدته التي أولها:
تقنعت لكن بالحبيب المعمم ... وفارقت لكن كل عيش مذمم تعصب عليه جماعة من شعراء مصر، وعابوا هذا الاستفتاح وهجنوه، فكتب إليه ابن الذروي الشاعر المذكور في ترجمة سيف الدولة المبارك بن منفذ:
قل للسعيد مقال من هو معجبمنه بكل بديعةٍ ما أعجبا
لقصيدك الفضل المبين، وإنماشعراؤنا جهلوا به المستغربا
عابوا التقنع بالحبيب ولو رأى ... الطائي ما قد حكته لتعصبا ونوادر القاضي السعيد كثيرة. وتوفي في العشر الأول من شهر رمضان، سنة ثمان وستمائة بالقاهرة، وذكر صاحبنا الكمال ابن الشعار في " عقود الجمال " أنه توفي يوم الأربعاء، رابع الشهر المذكور، رحمه الله تعالى.
وذكره العماد الكاتب، في كتاب " الخريدة " فقال: كنت عند القاضي الفاضل في حيمته بمرج الدلهمية، ثامن عشر ذي القعدة، سنة سبعين يعني وخمسمائة، فأطلعني على قصيدة له كتبها إليه من مصر، وذكر أن سنه لم يبلغ إلى عشرين سنة فأعجبت بنظمه، ثم ذكر القصيدة العينية، التي أولها:
فراق قضى للهم والقلب بالجمع ... وهجر تولى صلح عيني مع الدمع وعلى هذا التقدير يكون مولده في حدود سنة خمسين وخمسمائة، وقيل إنه
ولد سنة ثمان وأربعين، والله أعلم.
ثم قال العماد بعد الفراغ من ذكر هذه القصيدة: ثم وصل - يعني القاضي السعيد المذكور - إلى الشام، في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وخمسمائة في الخدمة الفاضلية، فوجدته في الذكاء آية، قد أحرز في صناعة النظم والنثر غاية تلقى عرابة العربية له باليمين راية، وقد أحلفه الإقبال الفاضلي في الفضل قبولا، وجعل طين خاطره على الفطنة مجبولاً، وانا أرجو أن ترقى في الصناعة رتبته، وتغزر عند تمادي أيامه في العلم نغبته، وتصفو من الصبا منقبته، وتروى بماء الدربة رويته، وتستكثر فوائده وتؤثر قلائده.
وتوفي والده جعفر في منتصف شهر رمضان سنة ثمانين وخمسمائة ثم رأيت بخط بعض أصحابنا ممن له عناية بهذا الفن أنه توفي يوم الثلاثاء خامس ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين، ومولده منتصف شوال سنة خمس وعشرين وخمسمائة والله أعلم.
وأما أبو المكارم هبة الله بن وزير بن مقل، الشاعر المصر يالمذكور في هذه الترجمة، فإن عماد الدين الأصبهاني ذكره في كتاب " الخريدة " وقال: عدت إلى مصر في سنة ست وتسعين وخمسمائة فسألت عنه فأخبرت بوفاته، رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع