من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
ياقوت الرومي أبو الدر
أبو الدر ياقوت بن عبد الله الرومي، الملقب مهذب الدين، الشاعر المشهور، مولى أبي منصور الجيلي التاجر، اشتغل بالعلم وأكثر من الأدب، واستعمل قريحته في النظم فأجاد فيه، ولما تميز ومهر سمى نفسه عبد الرحمن، وكان مقيماً بالمدرسة النظامية ببغداد، وعده ابن الدبيثي في كتاب " الذيل " في جملة من اسمه عبد الرحمن، وذكر أنه نشأ ببغداد، وحفظ القرآن العزيز وقرأ شيئاً من الأدب وكتب خطاً حسناً وقال الشعر وأكثر النظم منه في الغزل والتصابي وذكر المحبة، وراق شعره وتحفظه الناس، وأورد له مقطوعاً من الشعر وذكر أنه أنشده إياه، وهو:
خليلي لا والله ما جن غاسق ... وأظلم إلا حن أو جن عاشق [وبقيته في المجموع الصغير] وأشعاره سائرة يتغنى بها، وهي رقيقة لطيفة فمن ذلك قوله:
إن غاض دمعك والأحباب قد بانوافكل ما تدعي زور وبهتان
وكيف تأنس أو تنسى خيالهموقد خلا منهم ربع وأوطان
لا أوحش الله من قومٍ نأوا فنأىعن النواظر أقمار وأغصان
ساروا فسار فؤادي إثر ظعنهموبان جيش اصطباري ساعة بانوا
لا افتر ثغر الثرى من بعد بعدهمولا ترنح أيك لا ولا بان
أجرى دموعي وأذكى النار في كبديغداة بينهم هم وأحزان
طوفان نوحٍ ثوى في مقلتي وفيطي الحشا لخليل الله نيران
لو كابد الصخر ما كابدت من كمدٍفيكم لجاد له أحد ولبنان
وذاب يذبل من وجدي ورض علىرضوى ولان لما ألقاه ثهلان
يا من تملك رقي حسن بهجتهسلطان حسنك مالي منه إحسان
كن كيف شئت فمالي بدلاً عنك من بدلٍأنت الزلال لقلبي وهو ظمآن ومن شعره أيضاً:
ألا مبلغ وجدي بها وغراميومهدٍ إلى دار السلام سلامي
نسيم الصبا بلغ تحية مشئمإلى معرق لم يرع عهد ذمامي
وصف بعض أشواقي إليه لعلهيرق لذلي في الهوى وهيامي
أيا رحبة الزوراء لي فيك شادننفى بعده من مقلتي منامي
بديع جمالٍ بان صبري لبينهوعرضني إعراضه لحمامي
يصد إذا ما صد عن عيني الكرىويمزج دمعي هجره بمدامي
حياتي وموتي في يديه وجنتيوناري وريي في الهوى وأوامي
ففي بعده عني وفاتي، وقربهحياتي وإسعادي ونيل مرامي
ومن وجنتيه نار وجدي، وخصرهنحولي، ومن سقم الجفون سقامي
فكن عاذلي فدلاله ... دليل على وجدي به وغرامي ورأيت كثيراً من الفقهاء بالشام وبلاد الشرق يحفظون له قصيدة أولها:
جسدي لبعدك يا مثير بلابليدنف بحبك ما أبل، بلى بلي
يا من إذا ما لام فيه لوائميأوضحت عذري بالعذار السائل
أأجيز قتلي في " الوجيز " لقاتليأم حل في " التهذيب " أم في " الشامل "
أم في " المهذب " أن يعذب عاشقذو مقلة عبرى ودمع هاطل
أم طرفك الفتاك قد أفتاك في ... تلف النفوس بسحر طرف بابلي وهي أكثر من هذا، لكن هذا هو الذي أستحضره في هذا الوقت منها.
وأنشدني له بعض الأدباء بمدينة حلب أبياتاً، منها قوله:
ألست من الولدان أحلى شمائلا ... فكيف سكنت القلب وهو جهنم ثم قال: وقد انتقدوا عليه في بغداد في هذا البيت، فأفكر فيه ثم قلت له: لعل الانتقاد من جهة أنه يلزم من كونه أحلى شمائل من الولدان أنه لا يكون في جهنم، فإنه قد يكون أحلى شمائل منهم، وليس الممتنع إلا لأن يكون الولدان في جهنم، فقال: نعم هذا هو الذي أخذ عليه.
وأخبرني بعض الأفاضل بمدينة أربل في سنة خمس وعشرين وستمائة، قال: كنت ببغداد ف سنة عشرين وستمائة بالمدرسة النظامية، فقعدت يوماً
على بابها إلى جانب أبي الدر المذكور ونحن نتذاكر الأدب، إذ جاء شيخ ضعيف القوى والحال يتوكأ على عصا، فجلس قريباً منا، فقال لي أبو الدر: أتعرف هذا فقلت: لا، فقال: هذا مملوك الحيص بيص، الذي يقول فيه:
تشرب أو تقمص أو تقبىفلن تزداد عندي قط حبا
تملك بعض حبك كل قلبي ... فإن ترد الزيادة هات قلبا قال: فجعلت أنظر إليه، وأفكر فيما كان عليه، وما آل حاله إليه، ولقد طلبت أنا هذين البيتين في ديوان الحيص بيص فلم أجدهما فيه، والله أعلم.
ولأبي الدر المذكور ديوان شعر سمعت أنه صغير ولم أقف عليه، بل على مقاطيع كثيرة منه، وشعره متداول بالعراق وبلاد الشرق والشام، ويكفي منه هذا القدر - وقد تقدم في حرف الخاء في ترجمة الشيخ الخضر بن عقيل الإربلي له ثلاثة أبيات دالية - ثم إني ملكت من ديوانه نسختين في سنة سبع وستين بدمشق المحروسة، وهو صغير الحجم يدخل في عشر كراريس.
ورأيت في بعض التواريخ المتأخرة أن أبا الدر المذكور وجد ميتاً بمنزله ببغداد في الثاني عشر من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وقال الناس: إنه توفي قبل ذلك بأيام، رحمه الله تعالى.
وقال ابن النجار في " تاريخ بغداد " وجد أبو الدر في داره ميتاً، يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الأولى من السنة، وكان قد أخرج من النظامية فسكن في دار بدرب دينار الصغير، ولم يعلم متى مات، وأظنه ناطح الستين، والله أعلم.
والرومي: بضم الراء وسكون الواو وبعدها ميم، هذه النسبة إلى بلاد الروم، وهو إقليم مشهور متسع كثير البلاد.
وها هنا نكتة غريبة يحتاج إليها ويكثر السؤال عنها، وهي: أن أهل الروم يقال لهم " بنو الأصفر "، واستعملته الشعراء في أشعارهم، فمن ذلك قول عدي بن زيد العبادي من جملة قصيدته المشهورة:
وبنو الأصفر الكرام ملوك الرو ... م لم يبق منهم مذكور ولقد تتبعت ذلك كثيراً فلم أجد ما يشفي الغليل، حتى ظفرت بكتاب قديم اسمه " اللفيف " ولم يكتب عليه اسم مؤلفه، فنقلت من ما صورته: عن العباس عن أبيه قال: انخرم ملك الروم في الزمان الأول، فبقيت منه امرأة، فتنافسوا في الملك حتى وقع بينهم شر، فاصطلحوا على أن يملكوا أول من يشرف عليهم، فجلسوا مجلساً لذلك، وأقبل رجل من اليمن معه عبد له حبشي يريد الروم، فأبق العبد منه، فأشرف عليهم فقالوا: انظروا في أي شيء وقعتم فزوجوه تلك المرأة، فولدت غلاماً فسموه " الأصفر "، فخاصمهم المولى، فقال الغلام: صدق أنا عبده فارضوه، فأعطوه حتى رضي، فبسبب ذلك قيل للروم بنو الأصفر، لصفرة لون الولد، لكونه مولداً بين الحبشي والمرأة البيضاء، والله أعلم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع