من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
ياقوت الموصلي
أبو الدر ياقوت بن عبد الله الموصلي الكاتب، الملقب أمين الدين، المعروف بالملكي، نسبة إلى السلطان أبي الفتح ملكشاه بن سلجوق بن محمد بن ملكشاه الأكبر، نزل بالموصل، وأخذ النحو عن أبي محمد سعيد بن المبارك المعروف بابن الدهان النحوي، وقرأ عليه ديوان المتنبي والمقامات الحريرية وغير ذلك.
وكتب الكثير وانتشر خطه في الآفاق وكان في نهاية الحسن، ولم يكن في آخر زمانه من يقاربه في حسن الخط ولا يؤدي طريقة ابن البواب في النسخ مثله، مع فضل غزير ونباهة تامة، وكان مغرىً بنقل " الصحاح " للجوهري، فكتب منها نسخاً كثيرة، كل نسخة في مجلد واحد، رأيت منها عدة نسخ، وكل نسخة تباع بمائة دينار، وكتب عليه خلق كثير وانتفعوا به، وكانت له سمعة كبيرة
في زمانه، وقصده الناس من البلاد، وسير إليه من بغداد النجيب أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي بكر الواسطي قصيدة مدحه بها ولم يكن رآه، بل على السماع به، وهي قصيدة جيدة في بابها، ووصف حسن خطه فأبلغ، وهي:
أين الغزلان عالج والمصلىمن ظباء سكن نهر المعلى
أبتلك الكثبان أغصان بانٍوبدور من أفقها تتجلى
أم لتلك الغزلان حسن وجوهٍلو تراءت للحزن أصبح سهلا
أين حوذانها من النرجس الغض إذا ناجز النسيم استقلا
أين ذلك العرار من صبغة الورد إذا جاده الغمام وطلا
أبجرعائها كواكب نارنج دنا في غصونه فتدلى
أنقيب لماء دجلة كفؤكذب القاسطون حاشا وكلا
ألدار السلام في الأرض شبهمعجز أن ترى لبغداد مثلا
كل يومٍ تبدي وجوهاً خلاف الأمس حسناً كأنما هي حبلى
وصبايا يصبو الحليم إليهن إذا ما خطرن شكلاً ودلا
يعتصبن العصائب الناصريات فيحللن منك عقداً وحلا
ليس يرقبن فيك إلا ولا يعرفن شيئاً غير " الصحاح " وإلا
مربع للقلوب فيه ربيعمتوالٍ إذا الربيع تولى
بلدة يستفاد فيها المعاليوالمعاني علماً وجداً وهزلا
لم يفتها من الكمال سوى ياقوت لو أنها به تتحلى
من لها أن يضوع النشر أمين الدين فيها وحسبها ذاك فضلا
لو رجت أن يزورها لانبرى الصامت فيها يقول: أهلا وسهلا
ولئن وافت الرواة برياهـ إليها فإن رؤياه أحلى
بحر جود له الأكارم تتلووجواد عنه المكارم تتلى
جامع شارد العلوم ولولاهـ لكانت أم الفضائل ثكلى
ذو يراع تخاف صولته الأسد وتعنو له الكتائب ذلا
وإذا افتر ثغره عن سوادٍفي بياضٍ فالبيض والسمر خجلى
يقظ في حراسة الملك لا يعمل سهماً ولا يجرد نصلا
إنما يبعث البلاغة أرسالاً إذا كانت الصحائف رسلا
فيعيد الجبار ممتلئاً خوفاً لما قد أمل فيها وأملى
وتراه طوراً يجيل يديهبقداح العلوم فصلاً ففصلا
مثل وشي الرياض أو كنظيم الدر يزهى خطاً ولفظاً ونقلا
فاتئد يا مريد مثل أمينالدين مهلاً أتعبت نفسك مهلا
سيدي يا أخا السماح وظئر المجد وابن العلى ورب المعلى
أنت بدر والكاتب ابن هلالكأبيه لا خير فيمن تولى
إن يكن أولاً فإنكط بالتفضيل أولى، لقد سبقت وصلى
يا أمين الدين الذي جمع اللهـ به السماح والفضل شملا
أنا من قادة الثناء إلى حبك حتى يظل لا يتسلى
وإذا أسجل الثناء بقاضٍصار فيه أخو الشهادة عدلا
فارض بكراً ما راض قط أبوهافكره بابنة ليخطب بعلا
لا جزاء يريد عنها ولا أجراً ولكن رآك للمدح أهلا
ودعاه إليك داعي ودادجاء يبغي من حسن رأيك وصلا
وإذا ما تعذر القرب فالقلب كفيل به ورأيك أعلى
فابق واسلم ما جرد الأفق جيشاً ... من ظلام وجرد الصبح نصلا وتوفي أمين الدولة المذكور بالموصل سنة ثماني عشرة وستمائة، وقد أسن وتغير خطه من الكبر، رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع