تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

الخطيب التبريزي اللغوي

أبو زكريا يحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن بسطام الشيباني التبريزي المعروف بالخطيب؛ أحد أئمة اللغة، كانت له معرفة تامة بالأدب من النحو واللغة وغيرهما، قرأ على الشيخ أبي العلاء المعري وأبي القاسم عبيد الله بن علي الرقي وأبي محمد الدهان اللغوي وغيرهم من أهل الدب. وسمع الحديث بمدينة صور من الفقيه أبي الفتح سليم بن أيوب الرازي ومن أبي القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الله بن يوسف الدلال السياري البغدادي وأبي القاسم عبيد الله بن ثابت علي، وغيرهم. وروى عنه الخطيب الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت صاحب " تاريخ بغداد "، والحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر وأبو منصور موهوب بن أحمد الجواليقي وأبو الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأندلسي، وغيرهم من الأعيان، وتخرج عليه خلق كثير وتتلمذوا له.

وذكره الحافظ أبو سعد السمعاني في كتاب " الذيل "، وكتاب " الأنساب "،

وعدد فضائله، ثم قال: سمعت أبا منصور محمد بن عبد الملك بن الحسن بن خيرون المقرئ يقول: أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي ما كان بمرضي الطريقة، وذكر عنه أشياء ثم قال: وذاكرت أنا مع أبي الفضل محمد بن ناصر الحافظ بما ذكره ابن خيرون، فسكت وكأنه ما أنكر ما قال، ثم قال: ولكن كان ثقة في اللغة وما كان ينقله.

وصنف في الأدب كتباً مفيدة، منها " شرح الحماسة " وكتاب " شرح ديوان المتنبي "، وكتاب " شرح سقط الزند " وهو ديوان أبي العلاء المعري، و " شرح المعلقات السبع " و " شرح المفضليات " وله " تهذيب غريب الحديث " و " تهذيب إصلاح المنطق "، وله في النحو مقدمة حسنة، والمقصود منها أسرار الصنعة وهي عزيزة الوجود، وله كتاب " الكافي في علم العروض والقوافي " وكتاب في إعراب القرآن سماه " الملخص " رأيته في أربع مجلدات، وشروحه لكتاب الحماسة ثلاثة: أكبر وأوسط وأصغر، وله غير ذلك من التواليف، وقد سبق في ترجمة الخطيب أب بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ ذكره وما دار بينهما عند قراءته عليه بدمشق، فلينظر هناك ودرس الأدب بالمدرسة النظامية ببغداد.

وكان سبب توجهه إلى أبي العلاء المعري أنه حصلت له نسخة من كتاب " التهذيب " في اللغة، تأليف أبي منصور الأزهري في عدة مجلدات لطاف، وأراد تحقيق ما فيها وأخذها عن رجل عالم باللغة، فدل على المعري، فجعل الكتاب في مخلاة وحملها على كتفه من تبريز إلى المعرة، ولم يكن له ما يستأجر به مركوباً، فنفذ العرق من ظهره إليها فأثر فيها البلل، وهي ببعض الوقوف ببغداد، وإذ رآها من لا يعرف صورة الحال فيها ظن أنها غريقة، وليس بها سوى عرق الخطيب المذكور، هكذا وجدت هذه الحكاية مسطورة في كتاب

" أخبار النحاة " الذي ألفه القاضي الأكرم ابن القفطي الوزير بمدينة حلب، كان، رحمه الله تعالى، والله أعلم بصحة ذلك.

وكان الخطيب المذكور قد دخل مصر في عنفوانه شبابه، فقرأ عليه بها الشيخ أبو الحسن طاهر بن بابشاذ النحوي - المقدم ذكره - شيئاً من اللغة، ثم عاد إلى بغداد واستوطنها إلى الممات، وكان يروي عن أبي الحسن محمد بن المظفر بن نحرير البغدادي جملة من شعره، فمن ذلك قوله على ما حكاه السمعاني في كتاب " الذيل " في ترجمة الخطيب، وهي من أشهر أشعاره:

خليلي ما أحلى صبوحي بدجلةٍوأطيب منه بالصراة غبوقي
للشاعر ابن نحرير البغدادي، اقرأ القصيدة
شربت على الماءين من ماء كرمةٍفكانا كدر ذائب وعقيق
للشاعر ابن نحرير البغدادي، اقرأ القصيدة
على قمري أفقٍ وأرض تقابلافمن شائق حلو الهوى ومشوق
للشاعر ابن نحرير البغدادي، اقرأ القصيدة
فما زلت أسقيه وأشرب ريقهوما زال يسقيني ويشرب ريقي
للشاعر ابن نحرير البغدادي، اقرأ القصيدة

وقلت لبدر التم: تعرف ذا الفتى ... فقال: نعم، هذا أخي وشقيقي وهذه الأبيات من أملح الشعر وأطرفه، والبيت الأخير منها يستمد من معنى قول أبي بكر محمد بن عيسى الداني المعروف بابن اللبانة الأندلسي في مدح المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية - المقدم ذكره - من جملة قصيدة طويلة:

سألت أخاه البحر عنه فقال لي: ... شقيقي إلا أنه الساكن العذب ما كفاه أنه جعله شقيق البحر حتى رجحه عليه، فقال " الساكن العذب " والبحر مضطرب ملح، وهذا من خالص المدح وأبدعه، وأول هذه القصيدة:

بكت عند توديعي فما علم الركبأذاك سقيط الطل أم لؤلؤ رطب
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة

وتابعها سرب، وإني لمخطئ ... نجوم الدياجي لا يقال لها سرب وهي قصيدة طويلة ولولا خوف الإطالة والخروج عما نحن بصدده لذكرتها كلها، ولكن يكفي منها هذا الأنموذج.

وكان الخطيب أيضاً يروي عن ابن نحرير المذكور من شعره قوله:

يا نساء الحي من مضرإن سلمى ضرة القمر
للشاعر ابن نحرير البغدادي، اقرأ القصيدة
إن سلمى لا فجعت بهاأسلمت طرفي إلى السهر
للشاعر ابن نحرير البغدادي، اقرأ القصيدة
فهي إن صدت وإن وصلتمهجتي منها على خطر
للشاعر ابن نحرير البغدادي، اقرأ القصيدة
وبياض الشعر أسكنهامن سواد القلب والبصر وللخطيب المذكور شعر فمن ذلك قوله:
فمن يسأم من الأسفار يوماًفإني قد سئمت من المقام
أقمنا بالعراق على رجالٍلئامٍ ينتمون إلى لئام وقال الخطيب المذكور: كتب إلي العميد الفياض:
قل ليحيى بن عليٍوالأقاويل فنون
غير أني لست من يكذب فيها ويخون
أنت عين الفضل إن مد إلى الفضل عيون
أنت من عز به الفضل وقد كاد يهون
فقت من كان واتعبت لعمري من يكون
قد مضى فيك قرانومضت فيه قرون
وإذا قيس بك الكل فصحو ودجون
وإذا فتش عنهمفالأحاديث شجون
قد سمعنا ورأينافسهول وحزون
ووزنا بك من كان فقيل وقيون
أين شيبان وأزدكل ما زال ظنون
إنك الأصل ومن دونك في العلم غصون
إنك البحر وأعيان ذوي الفضل عيون
ليس كالسيف وإن حلي في الحكم الجفون
ليس كالفذ المعلىليس كالبيت الحجون
ليس كالجد وإن آنس هزل ومجون
ليس في الحسن سواءًأبداً بيض وجون
ليس كالأبكار في اللطف وإن راقتك عون
قلت للحساد كونواكيف شئتم أن تكونوا
سبق الزائد بالفضل فعزوا أو فهونوا
دمت ما خالف في الحد حراك وسكون
وتلقاك المنى ماقر بالطير الوكون
إن ودي لك عمايصم الود مصون
ليس لي فيه ظهورتتنافى أو بطون
بل لقلبي فيك صببالمصافاة يكون
غلق الرهن وقد تغلق في الحب رهون
ومن الناس أمينفي هواه وخؤون

وقال ابن الجواليقي: قال لنا شيخنا الخطيب أبو زكريا: فكتبت أنا إلى العميد الفياض المذكور هذه الأبيات:

قل للعميد أخي العلا الفياضأنا قطرة من يحرك الفياض
شرفتني ورفعت ذكرى بالذيألبستنيه من الثنا الفضفاض
ألبستني حلل القريض تفضلاًفرفلت منها في علا ورياض
إني أتيتك بالحصى عن لؤلؤأبرزته من خاطر مرتاض
وبخاطري عن مثل ذاك توقفما إن يكاد يجود بالأبعاض
أيعارض البحر الغطامط جدولأو درة تنقاس بالرضراض
يا فارس النظم المرصع جوهراًوالنثر يكشف غنة الأمراض
يرمي به الغرض البعيد وقد غدافكري يقصر عن مدى الأغراض
لا تلزمني من ثنائك موجباًحقاً فلست لحقه بالقاضي
فلقد عجزت عن القريض وربماأعرضت عنه أيما إعراض

أنعم علي ببسط عذري إنني ... أقررت عند نداك بالإنفاض وكانت ولادته سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وتوفي فجأة يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسمائة ببغداد، ودفن في مقبرة باب أبرز، رحمه الله تعالى.

وبسطام: بكسر الباء الموحدة وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وبعد الألف ميم.

وقد تقدم الكلام على الشيباني والتبريزي فأغنى عن الإعادة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حَرفُ اليَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.