من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
يعقوب الصفار (٢)
قلت: ذكر القاضي كمال الدين، المعروف بابن العديم الحلبي رحمه الله تعالى، في " تاريخ حلب " حكاية يليق أن أذمرها هاهنا، لأنها مثل هذه الحكاية، وهي:
كان كسرى أنوشروان بن قباذ قد ولى رجلاً من الكتاب نبيهاً، معروفاً بالعقل والكفاية، يقال له بابك بن البهروان، ديوان الجند، فقال لكسرى: أيها الملك إنك قد قلدتني آمراً من صلاحه أن تحتمل لي بعض الغلظة في الأمور وهي عرض الجنود في كل أربعة أشهر، وآخ كل طبقة بكمال آلتها ومحاسبة المؤدبين على ما يأخذون على تأديب الرجال بالفروسية والرمي والنظر في مبالغتهم في ذلك وتقصيرهم، فإن ذلك ذريعة إلى إجراء السياسة مجاريها، فقال كسرى: ما المجاب بما سأل بأحظى من المجيب، لاشتراكهما في فضله، وانفراد المجيب بعد الراحة، حق مقالتك، فأمر فبنيت له موضع العرض مصطبة، وبسط له عليها الفرش الفاخرة، ثم جلس ونادى مناديه: لا يبقين أحد من المقاتلة إلا حضر للعرض، فاجتمعوا ولم ير كسرى، فأمرهم فانصرفوا، وفعل ذلك في اليوم الثاني، ولم ير كسرى فيهم فأمرهم فأمرهم فانصرفوا، فنادى في اليوم الثالث: أيها الناس لا يتخلفن من المقاتلة أحد، ولا من أكرم بالتاج والسرير، فإنه عرض لا رخصة فيه ولا محاباة، وبلغ كسرى ذلك، فتسلح بسلاحه ثم ركب فاعترض على بابك، وكان الذي يؤخذ به الفارس تجفافاً ودرعاً وجوشناً وبيضة ومغفراً وساعدين وساقين ورمحاً وترساً وجرزاً تلزمه منطقة وطبرزيناً وعموداً، وجعبة فيها قوسان بوتريهما وثلاثين نشابة، ووترين
ملفوفين يعلقهما الفارس في مغفره ظهرياً، فاعترض كسرى على بابك بسلاح تام، خلا الوترين اللذين يستظهر بهما، فلم يجز بابك على اسمه، فذكر كسرى الوترين فعلقهما في مغفره، واعترض على بابك، فاجاز على اسمه، وقال: لسيد الكماة أربعة آلاف درهم ودرهم، وكان أكثر ماله من الرزق أربعة آلاف درهم، ففضل كسرى بدرهم.
فلما قام بابك من مجلسه دخل على كسرى فقال: أيها الملك، لا تلمني على ما كان من إغلاظي، فما أردت به إلا الدربة للمعدلة والإنصاف، وحسم مادة المحاباة، قال كسرى: ما أغلظ علينا أحد فيما يريد به إقامة أودنا وصلاح ملكنا إلا احتملنا له غلطته، كاحتمال الرجل شرب الدواء الكريه، لما يرجوه من منفعته.
رجعنا إلى تتمة أخبار عمرو بن الليث الصفار:
قال السلامي أيضاً: كان رافع بن هرثمة تبعاً لأبي ثور، وكان أبو ثور أحد قواد محمد بن طاهر الخزاعي، فلما وافى يعقوب الصفار نيسابور كان أبو ثور من جملة من مايل يعقوب على محمد بن طاهر، فلما انصرف يعقوب إلى سجستان صحبه أبو ثور، ومعه رافع بن هرثمة، وكان رجلاً طويل اللحية كريه الوجه قليل الطلاقة، فدخل يوماً إلى يعقوب، فما خرج من عنده قال يعقوب: إني لا أميل إلى هذا الرجل فليلحق بحيث يشاء، فباع رافع جميع آلاته ثم انصرف إلى منزله بيامين، وهي من قرى كنج رستاق، وأقام هناك إلى أن استقدمه أحمد بن عبد الله الخجستاني - وخجستان: من جبل هراة، من قرى بادغيس؛ وكان الحجستاني من أتباع يعقوب الصفار، ثم خلع طاعته وتغلب على نيسابور وبسطام في سنة إحدى وستين ومائتين، وكان يظهر الميل إلى الطاهرية مستميلاً بذلك قلوب أهل نيسابور إليه، حتى إنه كان يكتب في كتبه: أحمد بن عبد الله الطاهري.
ثم كتب الخجستاني إلى رافع بن هرثمة، وهو في يلده، يستقدمه، فقدم عليه، فجعله صاحب جيشه، وللخجستاني حروب ومواقف مشهورة، وليس الغرض ذكر شيء منها هاهنا. ثم إن غلامين من غلمانه اتفقا عليه وقتلاه، وقد سكر ونام، وذلك في ليلة الأربعاء لست بقين من شوال سنة ثمان وستين ومائتين. وكان رافع بن هرثمة غائباً، فقدم بعد ذلك على جيش الخجستاني، فقدموه عليهم وبايعوه بمدينة هراة، وقيل بنيسابور.
ثم عزل الموفق بالله عمرو بن الليث الصفار عن ولاية خراسان، وجعلها لأبي عبد الله محمد بن طاهر الخزاعي في سنة إحدى وسبعين ومائتين، وهو مقيم ببغداد، فاستخلف محمد بن طاهر عليها رافع بن هرثمة، ما خلا أعمال ما وراء النهر فإن الموفق بالله أقر عليها نصر بن أحمد بن أسد الساماني خليفة لمحمد بن طاهر.
ثم وردت كتب الموفق على رافع بقصد جرجان وطبرستان، وكانتا للحسن بن زيد العلوي، وتوفي سنة سبعين ومائتين، واستولى عليهما أخوه محمد بن زيد، فجاءه رافع في سنة أربع وسبعين، ففارقها محمد بن زيد إلى استراباذ فحاصره بها رافع مدة سنتين، ثم فارقها ليلاً في نفر يسير إلى بلاد الديلم. واستولى رافع على طبرستان في سنة سبع وسبعين ومائتين.
ثم توفي الخليفة المعتم على الله في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين وتولى الخلافة بعده المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن الموفق المذكور، وولى المعتضد أبا إبراهيم إسماعيل بن أحمد الساماني ما وراء النهر بعد وفاة أخيه نصر بن أحمد المذكور - قلت: وكانت وفاة نصر لسبع بقين من جمادى الآخرة، سنة تسع وسبعين بسمرقند - قال: وعزل رافع بن هرثمة عن خراسان وولاها عمرو بن الليث، وبقي رافع بالري، ثم إنه هادن الملوك المجاورين له ليستعين بهم على عمرو بن الليث، فلكا تم له ذلك خرج إلى نيسابور، فواقعه عمرو بن الليث في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وثمانين، وهزمه عمرو وتبعه إلى
أبيورد، وقصد رافع أن يخرج منها إلى هراة أو مرو، فعلم عمرو أن مقصده سرخس، فقصدها عمرو ليأخذ عليه الطريق، فعلم رافع ذلك، فخرج من أبيورد ومعه دليل، فأخذ به على جبال طوس حتى أورده باب نيسابور فدخلها، فعاد عمرو إليها، وحاصره بها فانهزم رافع وأصحابه ووصل إلى نواحي خوارزم على الجمازات، وحمل ما كان معه من آلة ومال في شرذمة قليلة، وذلك يوم السبت لخمس بقين من شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين ومائتين، فوجه إليه أمير خوارزم نائباً يقوم بخدمته وما يحتاج إليه إلى أن يصل خوارزم، فوجده النائب في خف من أصحابه، فقتله لسبع خلون من شوال يوم الجمعة سنة ثلاث وثمانين، وحز رأسه، وحمله إلى عمرو بن الليث وهو بنيسابور، فأنفذ عمرو رأسه إلى المعتضد بالله، ولم يكن رافع ابن هرثمة، وإنما هرثمة زوج أمه، فانتسب رافع إليه لأنه أشهر، ورافع ابن تومرد.
وقال ابن جرير الطبري في تاريخه في سنة ثلاث وثمانين: وفي يوم الجمعة لثمان بقين من ذي القعدة قرئت الكتب على المنابر بقتل رافع بن هرثمة، وقدم رسول عمرو بن الليث برأس رافع إلى بغداد يوم الخميس لأربع خلون من المحرم سنة أربع وثمانين ومائتين على المعتضد، فأمر بنصبه في الجانب الشرقي إلى الظهر، ثم تحويله إلى الجانب الغربي بقية النهار إلى الليل، ثم ردوه إلى دار السلطان، قال السلامي: وصفت خراسان إلى شط جيحون لعمرو بن الليث.
قلت: وقد مدح البحتري الشاعر المشهور رافع بن هرثمة، وكناه أبا يوسف في مديحه، وأرسلها إليه، فأرسل إليه عشرين ألف درهم وهو بالعراق.
قال السلامي: ولما وجه عمرو بن الليث برأس رافع بن هرثمة إلى المعتضد سأل أن يولوه عمل ما وراء النهر مثل ما كان برسم عبد الله بن طاهر، فوعدوه بذلك ثم أرسل إليه المعتضد فوصلته وهو في نيسابور، فأبى أن يقبلها دون الوفاء بما وعدوه من تولية أعمال ما وراء النهر، فكتب الرسول إلى المكتفي بالله بن المعتضد، وكان بالري وعنده جماعة من خواص أبيه، بما سأله عمرو، فأنفذوا إليه العهد بها، فحمل إليه العهد والهدايا التي سيرها له المعتضد بالله
وامتنع من أخذها، وكان في الهدايا سبع دسوت خلع، فوضعت بين يديه، وأفاض عليه الرسول الخلع واحدة بعد أخرى، وكلما لبس خلعة صلى ركعتين، ثم وضع العهد قدامه، فقال: ما هذا قال: الذي سألته، فقال عمرو: ما أصنع به فإن إسماعيل بن أحمد لا يسلم إلي ذلك إلا بمائة ألف سيف، فقال: أنت سألته فشمر الآن لتتولى العمل في ناحيته، فاخذ العهد وقبله ووضعه بين يديه، ثم أنفذ عمرو إلى الرسول ومن معه سبعمائة ألف درهم وصرفهم، ثم جهز عمرو جيشاً إلى إسماعيل بن أحمد، فعبر إسماعيل إليهم نهر جيحون وقاتلهم، فقتل بعضهم وهزم الباقين، وعمرو بن الليث الصفار في نيسابور، وكانت الوقعة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شوال سنة ست وثمانين ومائتين، وعاد إسماعيل إلى بخارا، وهي من أعمال ما وراء النهر.
قال السلامي: انتدب عمرو بن الليث لمحاربة إسماعيل، محمد بن بشر، فلما عبر إسماعيل جيحون دخل موسى السجزي على محمد بن بشر وهو يحلق رأسه فقال له: هل استأذنت إسماعيل في حلق رأسك يعني أن رأسه لإسماعيل لأنه انتصب لمحاربته، فقال له محمد: اغرب عني لعنك الله، ثم تحاربوا من الغد، فانكشف أصحاب بشر وقبضوا عليه وحز رأسه في جملة من سائر الرؤوس وحملوها إلى إسماعيل، وأدخلوا جماعة من أصحابه ليميزوا الرؤوس عن رأس ابن بشر، فأعلم بعضهم إسماعيل بما قال موسى السجزي لابن بشر، فتعجب مما جرى الفأل به.
وذكر الطبري في تاريخه في سنة سبع وثمانين ومائتين ما مثاله: وفي يوم الأربعاء لخمس بقين من جمادى الأولى ورد كتاب فيما ذكر على السلطان أنه كانت بين إسماعيل بن أحمد وبين عمرو بن الليث وقعة، فأسر عمراً واستباح عسكره. وكان من خبر عمرو وإسماعيل أن عمراً سأل السلطان أن يوليه ما وراء النهر فولاه ذلك، ووجه إليه وهو مقيم بنيسابور بالخلع واللواء على ما وراء النهر، لمحاربة إسماعيل بن أحمد، فكتب إليه إسماعيل: إنك قد وليت
دنيا عريضة، وأنا في يدي ما وراء النهر، وأنا في ثغر، فاقنع بما في يدك، واتركني مقيماً بهذا الثغر، فأبى إجابته إلى ذلك، وذكر له من أمر نهر بلخ وشدة عبوره، فقال عمرو: لو أشاء أن أسكره ببدر الأموال وأعبر لفعلت.
فلما يئس إسماعيل من انصرافه عنه جمع من معه من التناء والدهاقين وعبر النهر إلى الجانب الغربي، وجاء عمرو بن الليث فنزل بلخ، وأخذ إسماعيل عليه النواحي، فصار كالمحاصر، وندم على ما فعل، وطلب المحاجزة فيما ذكر، فأبى إسماعيل عليه ذلك، ولم يكن بينهم قتال كثير حتى هزم عمرو، فولى هارباً، ومر بأجمة في طريقه قيل إنها أقرب، فقال لعامة من معه: امضوا في الطريق الواضح، ومضى في نفر يسير، فدخل الأجمة، ووحلت به دابته فوقعت، ولم يكن له في نفسه حيلة، ومضى من معه ولم يلووا عليه، وجاء أصحاب إسماعيل فأخذوه أسيراً، فلما بلغ المعتضد ما جرى مدح إسماعيل وذم عمراً، وقال: يقلد أبو إبراهيم إسماعيل كل ما في يد عمرو، ويوجه إليه بالخلع.
ثم ذكر الطبري أيضاً في سنة ثمان وثمانين ما مثاله: وفي أول جمادى الأولى يوم الخميس أدخل عمرو بن الليث بغداد، وذكر لي أن إسماعيل بن أحمد خيره بين المقام عنده أسيراً وبين توجيهه إلى أمير المؤمنين، فاختار توجيهه إلى أمير المؤمنين، فوجهه.
وقال السلامي في " أخبار خراسان ": ثم خرج عمرو إلى بلخ فلاقاه بها إسماعيل فهزمه وقبض عليه، وذلك يوم الثلاثاء النصف من ربيع الأول سنة سبع وثمانين ومائتين، وأنفذه مقيداً إلى سمرقند - قلت: وهي من بلاد ما وراء النهر أيضاً، وهذا النهر هو جيحون - قال: وضم إليه أخاه أبا يوسف ليخدمه، إلى أن ورد عليه من عند المعتضد عبد الله بن الفتح بعهد خراسان واللواء والتاج والخلع في سنة ثمان وثمانين، وقدم معه إنسان ليتولى حمل عمرو بن
الليث إلى بغداد فسلمه إسماعيل إليه، فحمله.
وقال ابن طاهر المذكور قبل هذا في تاريخه: إن عمرو بن الليث الصفار انهزم وقتل خلق كثير من أصحابه. وكانت الوقعة على باب بلخ يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة سبع وثمانين ومائتين، وقبل ذلك هرب ابن أبي ربيعة كاتب عمرو بن الليث إلى إسماعيل بن أحمد، ومعه قائد من قواده في خلق كثير، فأصبح عمرو في يوم الوقعة وقد عرف الخبر، ثم كثر هرب أصحابه إلى إسماعيل، فضعف قلب عمرو وهرب، واشتغل بالعسكر، وبعث في طلب عمرو جيشاً، فوجدوه واقفاً على فرس، فقبضوا عليه، وسره إسماعيل إلى المعتضد، وأخبره بما جرى، وانه سيره إلى سمرقند، حتى يرد عليه أمر أمير المؤمنين، فاشتد سرور الخليفة بذلك، وقلد الخليفة إسماعيل ما كان مقلده مضافاً إلى عمله. وتوجه عبد الله بن الفتح إلى إسماعيل في طلب عمرو، فلما وصل إلى إسماعيل وجه إليه، فقيده وأرسله، وإلى جانبه رجل من أصحاب إسماعيل بيده سيف مشهور، وقيل لعمرو: إن تحرك في أمرك أحد رمينا رأسك إليهم، فلم يتحرك أحد، ووصلوا إلى النهروان يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين، وحل قيد عمرو، فلما كان يوم الخميس مستهل جمادى الأولى ركب الجند للقائه وعمرو في القبة قد أرخى جلالها عليه، فلما بلغ باب السلامة أنزل عمرو من القبة، وألبس دراعة ديباج وبرنس السخط، وحمل على جمل له سنامان، يقال له إذا كان ضخماً على هذه الصورة " الفالج "، في غاية الارتفاع، وكان عمرو قد أهداه فيما أهدى للخليفة، وقد ألبس الجمل الديباج وحلي بذوائب وأرسان مفضضة، وأدخل بغداد فاشتقها في الشارع العظم إلى دار الخليفة بقصر الحسني، وعمرو رافع يديه يدعو ويتضرع دهاء منه، فرقت له العامة، وأمسكت عن الدعاء عليه، ثم أدخل على الخليفة وقد جلس له واحتفل به، فوقف بين يديه ساعة، وبينهما قدر خمسين ذراعاً، وقال له: هذا ببغيك يا عمرو، ثم أخرج من
بين يديه إلى حجرة قد أعدت له، وكان أخوه يعقوب الصفار قد تزوج امرأة من العرب من بلد سجستان، فلما توفي يعقوب تزوجها أخوه عمرو، ثم توفيت ولم تخلف ولداً، وكان لها ألف وسبعمائة جارية.
قال بعضهم: كنت عند أبي علي الحسين بن محمد بن الفهم المحدث، فدخل رجل من أصحاب الحديث فقال له: يا أبا علي، رأيت عمرو بن الصفار أمس على جمل فالج من الجمال التي كان أهداها عمرو منذ ثلاث سنين للخليفة فأنشد أبو علي:
وحسبك بالصفار نبلاً وعزةبروح ويغدو في الجيوش أميرا
حباهم بأجمالٍ ولم يدر أنه ... على جملٍ منها يقاد أسيرا وعمل في ذلك علي بن محمد بن نصر بن بسام الشاعر - المقدم ذكره:
أيها المغتر بالدنيا أما أبصرت عمرا
أركب الفالج بعد الملك والعزة القسرا
وعليه برنس للسخط إذلالاً وقهرا
رافعاً كفيه يدعوالله إسراراً وجهرا
أن ينجيه من القت ... ل وأن يعمل صفرا قال الطبري: وتوفي المعتضد بالله ليلة الاثنين لثمان بقين من شهر ربيع الآخر تسع وثمانين ومائتين. وتولى الخلافة ولده المكتفي بالله أبو محمد علي، وكان غائباً في الرقة عند موت أبيه، فقدم بغداد، وأمر يوم الثلاثاء لثمان خلون من جمادى الآخرة من السنة المذكورة بهدم المطامير التي كان أبوه احتفرها لأهل الجرائم. ومات عمرو بن الليث الصفار في غد هذا اليوم ودفن بالقرب من القصر الحسني، وقد كان المعتضد عند موته لما امتنع من الكلام أمر بقتل عمرو بالإيماء والإشارة ووضع يده على رقبته وعلى عينيه: أي اذبحوا الأعور،
وكان عمرو أعور فلم يفعل صافي الحرمي ذلك، وهو الذي أمره المعتضد بقتله، وإنما امتنع من قتله لعلمه بحال المعتضد وقرب وفاته، وكره قتل عمرو. ولما دخل المكتفي بغداد سأل، فيما قيل، القاسم بن عبيد الله عن عمرو: أحي هو فقال: نعم، فسر بحياته وقال: أريد أن أحسن إليه. وكان عمرو يهدي إلى المكتفي ويبره براً كثيراً أيام مقامه بالري في حياة أبيه المعتضد، فذكر أن القاسم كره سؤاله عنه، ودس إليه من قتله. وكانت مدة مملكته اثنتين وعشرين سنة تقريباً.
قلت: وإنما قيل ليعقوب: الصفار، لأنه كان يعمل الصفر، وهو النحاس وهو بضم الصاد المهملة وسكون الفاء وبعدها راء. وكان أخوه عمرو بكري الحمير.
حكى شيخ من الصفارين قال: كان يعقوب وهو غلام في دكانه يتعلم عمل الصفر، ولم أزل أتأمل بين عينيه وهو صغير ما آل أمره إليه، قيل له: وكيف ذلك قال: ما تأملته قط من حيث لا يعلم بتأملي إياه وجدته مطرقاً إطراق ذي همة وروية، فكان من أمره ما كان.
وقال علي بن المرزبان الأصفهاني الكاتب: سألت بعض أصحاب بني الصفار عن عمرو بن الليث أخي يعقوب بن الليث الصفار وصناعته، وعمر يومئذ محبوس بمدينة السلام، فسكت عني، فلما توفي عمرو قال لي: كنت سألتني عن عمرو وصناعته، ولم يكن من الحزم إخبارك وهو يرجى ويخشى، فاعلم الآن أنه لم يزل مكارياً إلى أن عظم شأن أخيه يعقوب وتمكن من خراسان، فلحق به وترك إكراء الحمير.
قلت: ذكر جماعة من أرباب التواريخ في كتبهم أن أبا أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي - المقدم ذكره في هذا الكتاب - كان يقول: عجائب الدنيا ثلاث: جيش العباس بن عمرو الغنوي يؤسر العباس وحده وينجو من القتل ثم يطلق ويقتل جميع جيشه، وكانوا عشرة آلاف. وجيش عمرو بن الليث يؤسر عمرو وحده ويموت في السجن ويسلم جميع جيشه وكانوا
خمسين ألفاً، وأنا أترك في بيتي بطالاً ويتولى ابني أبو العباس الجسرين ببغداد.
قلت: وكان من حديث العباس بن عمرو الغنوي أن القرامطة لما اشتد أمرهم وانتشروا في البلاد وبالغوا في الفتك أرسل إليهم المعتضد بالله في سنة سبع وثمانين ومائتين جيشاً مقدمه العباس المذكور، فاسره أبو سعيد القرمطي رئيس القرامطة في الوقعة، وأسر جميع من معه من الجيش. وفي اليوم الثاني من الوقعة أحضر أبو سعيد القرمطي الأسرى فقتلهم بأسرهم وأحرقهم، وأطلق العباس، فجاء إلى المعتضد وحده، وكان ذلك في آخر شعبان من السنة، وكانت الوقعة بين البصرة والبحرين. وهي قصة طويلة مشهورة، وهذا خلاصتها إذ ليس هذا موضع التطويل في شرحها - وسيأتي ذكرها مع الاستقصاء ف التاريخ الكبير إن شاء الله تعالى.
قلت: والبيتان المذكوران قبل هذا، وأنهما مكتوبان على قبر يعقوب الصفار، وآخر البيت الأول منهما:
وما كنت من ملك العراق بآيس ... هذا نصف بيت من جملة أبيات ترنم بها معاوية بن أبي سفيان الأموي لما تغلب على الشام، وجاءه جرير بن عبد الله البجلي برسالة من علي بن أبي طالب، ﵁، وكان علي إذ ذاك مقيماً بالكوفة، فلما أدى جرير الرسالة إلى معاوية وانفض المجلس أمر معاوية بنزول جرير في مكان قريب منه، وجعل يترنم بهذه الأبيات تلك الليلة ليسمع جرير، فيعيد ذلك على علي ﵁، والأبيات المشار إليها هي:
تطاول ليلي واعتراني وساوسيلآتٍ أتى بالترّهات البسابس
أتاني جرير والحوادث جمةبتلك التي فيها اجتداع المعاطس
أكايده والسيف بيني وبينهولست لأثواب الدني بلابس
إن الشام أعطت طاعةً يمنيةًتواصفها أشياخها في المجالس
فإن يفعلوا أصدم علياً بجبهةٍتفت عليه كل رطبٍ ويآبس
وإني لأرجو خير ما نال نائل ... وما أنا من ملك العراق بآيس قلت: " الترهات " بضم التاء المثناة من فوقها وتشديد الراء وبعد الهاء والألفتاء ثانية. والبسابس: بفتح الباء الموحدة وبعدها سين مهملة وبعد الألف باء ثانية مكسورة ثم سين، وهي الباطل. وأصل الترهات: الطرقات الصغار غير الجادة تتشعب عنها، الواحدة: ترهة فارسي معرب، ثم استعير في الباطل، فقيل: الترهات البسابس، والجبهة: الجماعة من الناس أيضاً، فكأنه قال: أصدره بالخيل والرجال، والباقي معروف لا حاجة إلى تفسيره.
ورأيت بخط بعض أهل هذا الفن أن عمرو بن الليث لما أسر ملك بعده بلاد فارس حفيده طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث المذكور لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر ثمان وثمانين ومائتين، ثم قبض عليه غلام جده شبك السبكري في سنة ست وتسعين ومائتين ومعه أخوه يعقوب بن محمد، وبعث بهما إلى مدينة السلام.
ثم ولي بعده الليث بن علي بن الليث، وهو ابن أخي يعقوب وعمرو بن الليث المذكورين، كان تغلب على بلاد سجستان في سنة ست وتسعين ومائتين، وجرى بين سبك السبكري وطاهر بن محمد المذكور ما جرى، واستقرت البلاد بيد السبكري، فاستخلف الليث المذكور على سجستان أخاه المعدل بن الليث، وسار إلى بلاد فارس، فهرب السبكري منه يطلب من الخليفة النجدة، فجرد المقتدر بالله الجيوش في شهر رمضان سنة ست وتسعين، وقدم عليها مؤنساً المظفر وبدراً الكبير والحسين بن حمدان، والتقوا مع الليث بن علي، فانهزم جيشه وأسر هو وأخوه محمد وابنه إسماعيل، وعاد مؤنس إلى بغداد ومعه الأسرى في المحرم سنة سبع وتسعين، وشهر بن علي على الفيل، وولي المعدل بن علي بن الليث على سجستان، فسار إليه أحمد بن إسماعيل الساماني في خلق كثير من الفارس والراجل، فأخذ منه البلاد. ثم ملك سبك السبكري الصفار مدة، ثم حمل معه محمد بن علي بن الليث إلى بغداد، وانقضى أمر الصفارية، والله أعلم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع