من «الكتيبة الكامنة فيمن لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
الكتيبة الكامنة
وصلى الله على سيدنا محمد واله وسلم
(اللهم الإعانة على التمام بجاه سيد الأنام، عليه افضل الصلاة وأزكى السلام).
الحمد لله الذي جعل الأدب في جميع ما للفنون من الأسواق، فاكهة شهية الأذواق، تهدى في الأطباق، مكللة بالإحداق، وريحانا عطر الانتشاق، في أنوف عشاق الكمال واكرم بأولئك العشاق، وجعل بينه وبين النفوس الرقاق نسبا ثابت الاستحقاق، والصلاة والسلام على مولانا محمد رسوله سيد ولد آدم على العموم والإطلاق، الذي أوتى جوامع الكلم ومكارم الأخلاق، والرضى عن أصحابه واله نجوم ملته الباهرة الاشراق، لهداية الطراق، ما أقامت الذكرى أسواق الأشواق، فضاقت عن الزفرات مسالك الاطواق، وما خفقت جوانح القلوب من الاشفاق، عند هبوب النسيم الخفاق.
أما بعد فأنني لما استوفيت اوطاري، واستكملت أدواري، وتشوفت ظلمي إلى مطالع انواري، واستوعبت من صحبة المغرب حصتي، وختمت بالدعاء قصتي، ونزلت عن منصتي، وابتلعت [ب] غصتي، ومن بعد أن لبست دنياه فاخلقت، وبنيت بمبانيه المشيدة وطلقت، ولبيت بمواقيت جهاده واهللت، وحللت من ملوكه حيث حللت، ومن مأزق العربدة تسللت، واستعادتي الدنيا فتجنيت وتعللت، وأخبرتها أني قد مللت وأملت، ولم يبق للشهرة مرقب إلا ركزت فيه راية خافقة، ولا للفخر مذهب إلا كتبت فيه أية ناطقة، حمدا لربي الغني الحميد، المنوه بالعدم حتى يذكر، المشيد به فتراه يحمد ويشكر، ويعرف فلا ينكر، صرفت إلى المشرق وجهي والعشية قد ضقت، والعمرة قد أفاقت
والخوف من توقع القواطع شديد، ومجال التقية من فوات البقية عريض مديد، لكن الأمل يشب مع الشبيبة، وعين الحريص تعمى عن تصور الخيبة، والطمع يحث على انتهاز الفرصة، قبل أفول القرصة، والنفس تقول: قنعنا ولو بإلمام، وطل عن غمام، وبسلام من طويل كلام، ومن لنا بالنظر إلى تلك الوجوه المشرقة المقسمات، السافرة عن كرائم السمات، من قبل الممات، واجتلاء تلك المعاهد التي طاب ثراها، والمشاهد التي راق مراها، نسأل الله تعالى أن يتم علينا فضله باحتلالها، وتسكين الأشواق في ظلالها، ويقر العيون باجتلاء جمالها، والنفوس ببلوغ آمالها، من خير كمالها.
ولما وقع العزم، وكاد يحذف العلل الجزم، وكاد الرسم أن يطوق القادم محل وسطه بتحفة قدوم، إن رائحة محروم، على قدر حاله، ووسيع انتحاله، وبضائع رحاله، وموازين خصبه أو امحاله، فتح بين يديه أبواب الأدلال قبل الاختلال، وتسبب الوسائل إلى أمد الكمال، ومطاوي الآمال، وكنا ارقنا بقايا المزاد، ونفضنا [ ا] ؟
في الطريق فضلات الزاد، وردنا على الدنيا بعد الشبع من طحين ثفالها، وملء اليدين من ثقالها، ما بقي من أوضاع احتفالها، ورفعنا مخفف القماش فوق اكفالها، وأزمعنا وداعها طوعا لا اضطرارا، وأقرضنا صاغتها فرارا وازورارا، ولم نتبع حولها الالتفات، ولا أغرينا - والحمد لله - الندم على ما فات، فجعلت الهدية، من جنس ما تتشوف إليه النفوس الغنية، وتتجر في أسواقه الهمم السنية، من
وضع يستطرف، أو اختراع إليه يستشرف، واثر يدل على طور المتسول، وطريقة المتعرف المسترسل، يظهر منه مصرف عنايته، وشرح كنايته، وبيان دعايته، ومرعى رعايته، ويتبين ما وراء صحيفته من عنوانه، ويخبر بذلك عن تفصيل ديوانه، وينوب مكتوبه عن لسانه، فيما ينتحل من احسانه، فجمعت في هذا الكتاب جملة وافرة، وكتيبة ظافرة، مما لقيناه ببلدنا الذي طوينا جديد العمر في ظله، وطاردنا قنائص الآمال في حرمه وحله، ما بين من تلقينا أفادته، أو أكرمنا وفادته، وبين من علمناه وخرجنا، ورشحناه ودرجناه، ومن اصطفيناه ورعيناه، فما أضعناه، بعد أن وصفنا كل واحد منهم وحليناه، وبما تولاه الله تعالى توليناه، إذ لا يلزمنا أن ننحل الكمال لمن لم يكمله مكمل الذوات، ومخول الادوات، فننتحل الكذب لغير ضرورة مبيحة، ونتحمل المشقة لا لتجارة ربيحة، والمقصود إنما هو إلمام بتعريف، وجلب أدب ظريف، وخبر طريف، بل التماس إنعام ممن يقف عليه وتشريف، وان ينظر النقص بعين كماله، ويعذر المهدي في تقصيره واسهاله، فالله تعالى لا يكلف العبد من أعماله فوق احتماله.
وسميت هذا الوضع بالكتيبة الكامنة فيمن لقيناه [ب] بالأندلس من شعراء المائة الثامنة، يستدل به من يباشره، على نبل من كنا نعاشره، ويقف من يدارسه، على فضل من كنا نمارسه، وان كان جالب مثل هذا إلى البلاد المشرقية اعز الله اهلها، وامن حزنها وسهلها، جالب نغبة إلى غدير، وحبابة إلى كاس مدير، فالعذر إلى الوسع مصروف، ولا تجود يد إلا بما تجد بمثل معروف، ولو كانت
الهدايا التي تجلب إلى أبوابهم، لالتزام ثوابهم، يشترط فيها المماثلة لمحالهم العالية، والمناسبة لأقدارهم الغالية، لسد الباب، وعجزت الالباب، وتقطعت؟ ونعوذ بالله تعالى؟ تلك الأسباب، ومثلهم على المسامحة جبل، وقد أهدت قبرة إلى سليمان ﵇ جرادة فقبل، وهم أهل المزايا الفاخرة، وأولو الدنيا والآخرة، ومعدن الكمال، ومعرف وجوه الآمال، وصل الله لهم عوائد الاجلال، ومتعهم بما وهبهم من حسن الخلق وفضل الخلال.
وقد كنت جمعت في الزمان المنصرم، قبل أن يرسل الله تعالى على شبابنا سيل العرم، وقبل ان يعتاض الشباب بحال الهرم وقلق البرم، مائة شاعر وعشرة، وسميته بالتاج المحلى في مساجلة القدح المعلى، وربما تخلل ذلك من تأخر عن مولدي أجله، ممن أرحله عن الوطن عجله، وبلغني مرواه ومرتجله، وربما دعوت إلى هذا المدعى بعض من حضر الأول، وألقيت بيده ما كان من الحلي قد تحول، أو شذ نادر لا يعتد به ممن لم أحقق وفاته، ورامه هذا الغرض فما فاته، وهاأنا أنسقهم على ترتيب مقرر، وتبويب محرر، وأضيف الرجل إلى ما غلب عليه من انتحال، وعرف به في كل حال، وألاحظ أحوالهم بحسب الزمان والمكان، وأقرب ذلك جهد الإمكان، إنشاء الله [ا] تعالى.
-
فمن الخطباء الفصحاء، والصوفية الصلحاء:
قلت: وهذه الطبقة أهلها أعلام سراوة ومجادة، وفرسان مرقى وسجادة، وليسوا بحجة في إجادة، إلا من جرى منهم مجرى إفادة في وفادة، ومظنة الإجادة في هذا الكتاب، هم طبقات الشعراء والوزراء والكتاب.
الخطيب الصالح أبو جعفر احمد بن محمد بن خميس الأنصاري
كان هذا الرجل في بلده مقلة بها يبصر، ولسانا يسهب ببلاغته ويختصر، ويستعدى ويستنصر؛ شأنه عجاب، ودعاؤه مستجاب، ووجوه فضله لا يعوق عن اجتلائها حجاب، وورعه لا تقرب الشبهات حماه، واجتهاده لا يبلغ مرماه، وكان له أدب يقتحم حمى الإجادة، وتزين حلاه حلل الدين والمجادة، فمن ذلك قوله:
يا أخي اقبل وصيتي لك أني ... قد خبرت الورى على التحقيق لا تؤمل مهما استطعت سوى الله ولا تتكل على مخلوق ... بل تحفظ من كل ما دب فوق الأرض وأحذر منهم بكل طريق ... ورض النفس بالقناعة واليأس من الناس تحظ بالتوفيق ...
إنما الناس في زمانك ياصاح فريق مغرى بضر فريق
فادر اكؤس المداراة حلما ... لعدو مبارز وصديق واجعل الزاد يا مسافر تقوى الله واجعل هداه أولى طريق ... وقال رحمة الله عليه:
عليك بأعمال القناعة والرضىبما قدر الرحمن إن كنت ذا حلم
ولو لم يكن للمرء في مقتضاهمامن الخير إلا راحة القلب والجسم وقال رحمة الله عليه:
[ب] إذا لم يكن للمرء مال فما لهلعمرك عند الناس قدر ولا حظ
وان هو أبدى حكمة وبلاغةوفصل خطاب لم يحسن له لفظ وقال أيضا رحمه الله تعالى:
قوام العيش في جدة وأمنوصحة إنها أقصى الأماني
وأوفاهن للدارين أمن ... فوال السعي في طلب الأماني الخطيب الصالح أبو اسحق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن [أبي] العاصي التنوخي رحمه الله تعالى:
سابق في حلبة العلم والدين، بشهادة تلك الميادين، رأى الله تعالى تقلب وجهه الوجيه في الساجدين، فوسمه بسمة الهادين المهتدين، اغربت طريف
منه بطرفة رائقة ورغبت منه في رغيبة فائقة، وقذف بحرها منه بدرة بزينة الحضرة لائقة، فاتخذها دارا وملا هالتها ابدارا، وصعد منبرها تجلو الخطوب خطبه، ويهز جذعه فيتساقط رطبه، وحمل نفسه على الجود بالحاضر الموجود، لا يلفي شيئا إلا بذله، غي مصغ إلى من عذله، فجلب إليه القلوب واستمالها، ولم يدع غاية إلا استمى لها، وكان يلم بيسير الأبيات، ويبدي جيادها رائقة الشياة، فمن ذلك قوله رحمة الله عليه:
اعمل بعلمك تؤت حكما إنماجدوى علوم المرء نهج الأقوم
وإذا الفتى قد نال علما ثم لميعمل به فكأنه لم يعلم وقال أيضا رحمه الله تعالى وقد احسن:
دنياك مهما اعتبرت فيهاكجيفة عرضة انتهاب
إن شئتها فاحتمل أذاهاواصبر عليها مع الكلاب وقال موطئا على البيت الأخير:
أمولاي أنت الكريم العفولبذل النوال وللمعذره
علي ذنوب وتصحيفهاومن عندك الجود والمغفره
الخطيب الصالح أبو جعفر احمد بن الحسن بن علي الكلاعي المعروف بابن الزيات ﵀ ونفع به آمين:
رحلة الوطن، وملقى العطن، وخبيئة العناية التي لا يعثر عليها إلا أهل الفطر السليمة والفطن، والخطيب الذي إذا نطق اخرس سحبان، وإذا رجح خف متالع وأبان وإذا تاوه بذكر الله تعالى تأرج الهندي والبان، والولي الذي تضرب آباط مطيها إليه الركبان، حثا في وجوه السابقين ثانيا من عنان سيره، وجمع من شروط الخطابة ما تفرق في غيره، صورة أنشأها الله في احسن تقويم، ومجتلى احب إلى العيون من سنة التنويم، ولسانا يرمي البلابل بالعي، ويوقفها إذا ادعت نسب الفصاحة موقف الدعي، وخشوعا يعلم غلاظ الكبود معاملة المعبود، ونغمة بالسبع المثاني، تزري بنغمات المثالث والمثاني، وصدقا يصدع بوعظه الصخر، وانشاء يتمم هذا الفخر، إلى الحفظ الأقوى، والانفراد بإحراز قصب السباق في مجال البر والتقوى. وهذه الشروط قلما اجتمعن في سواه، ولا اطعن إلا خافق لواه، وكان يتدفق بالشعر تدفق البحر
الزاخر، ويتكل معربا في هذا الزمان المستاخر، ومثواه بالأندلس كعبة المفاخر، بشهادة العظم الناخر. ومن شعره:
شهود ذاتك سر عنك محجوبلو كنت تدركه لم يبق مطلوب
علو وسفل ومن هذا وذاك معادور على نقطة الأشراف منصوب
ومنزل النفس منه ميم مركزهإن صح للغرض الطيني مرغوب
وان تناءت مساويها فحيزهاأوج الكمال وتحت الأوج تقليب
والروح ان لم تخنه النفس قام بهفي حضرة القدس تخصيص تقريب ومن ذلك قوله رحمه الله تعالى:
برق بآفاق المعارف لاحاحيا الجسوم وجرح الأرواحا
ولوى عليها من سناه سرداقاأحيت مباسمه ندى وسماحا
نشرت بنود العز من تلقائهنشرا غدا في الصالحات وراحا
وأقام منه عليه برهانا أبتأنواره إلا هدى وصلاحا
ما لم يفدك العقل تبصرة بماأومى إليه ويورث استمناحا
فالعقل في حكم الهوى ولذاك لمينفض بميدان النفاذ جناحا
فانظر بعقلك هل ترى من كائنإلا ويفصح بالهدى إفصاحا
وارجع إلى النظر الصحيح ولا تدعسر العناية لا يفيد فلاحا
واكسر زجاج الحس تعويلا علىروحية المعقول ان تلتاحا
أو ما تحن إلى فراديس العلافتشد في طلب الكمال وشاحا
ولقد دعاك إليه مصطف الهدىواراك من سبحاته مصباحا
فكففت إلا عن متابعة الهوىوأبيت إلا كبوة وجماحا ومن مستحسن قوله رحمه الله تعالى ورضي عنه:
دعني على حكم الهوى اتضرعفعسى يلين لي الحبيب ويخشع
إني وجدت أخا التضرع فائزابمراده ومن الدعا ما يسمع
واها وما شيء بأنفع للفتىمن أن يذل عسى التذلل ينفع
فامح اسم نفسك طالبا إثباتهواقنع بتفريق لعلك تجمع
واخضع فمن أدب المحب خضوعهولربما نال المنى من يخضع ومن ذلك قوله:
مالي بباب غير بابك موقفكلا ومالي عن فنائك مصرف
هذا مقامي ما حييت فان أمتفالذل مأوى والضراعة مألف
غرضي وأنت به عليم لمحةتدع الشتيت الشمل وهو مؤلف
وعليك ليس على سواك معوليجاروا علي لأجل ذا أو أنصفوا
ومن المقطوعات في التجنيس قوله رحمه الله تعالى:
يقال خصال أهل العلم ألفومن جميع الخصال الألف سادا
ويجمعها الصلاح فمن تعدىمذاهبه فقد جمع الفسادا وقال أيضا:
واغلب هوى النفس لا يغررك عاجلهفكل شيء يحط القدر منها جا
إن شئت فوزا بمطلوب الكرام غدا ... فاسلك من العمل المرضي منهاجا وثبت له في كتاب المحلى نثر أشف من نظمه رحمه الله تعالى آمين:
الأستاذ الخطيب أبو الحسن علي بن عمر بن حسين القيجاطي شيخنا رحمه الله تعالى:
روض المعارف الذي جعل الله أزاهره الفنون، وثدي الفوائد أرضعها الآباء والبنون، إلى ان كان فطامها المنون، بدر شهدت هالته
الأفق، بحر صرف إليه الآمل الرفق، قل ان يذكر فن الا وركض في مجاله، وأخذه عن رجاله، وكان من الرسوخ والتمكين، حالا من التخلق بالمكان المكين، يرسل النادرة شهابا، وينتهب مجالس الأنس انتهابا، ويتحكم في القول إيجازا واسهابا، خبا بوفاته الكوكب الثاقب، ووريت بمواراته المناقب، ومن شعره في غرض الرثاء:
حمام حمام فوق أيك الأسى تشدوتهيج من الأشجان ما أوجد الوجد
وذلك شجو في حناجرنا شجىوذلك لهو في ضمائرنا جد
أرى أرجل الأرزاء تشتد نحوناوأيديها تسعى إلينا فتمتد
ونحن أولو سهو عن الامر ما لناسوى أمل إيجابنا عنده جحد
وان خطرت للمرء ذكرى بخاطرفتسبيحة الساهي إذا سمع الرعد
مصاب به قدت قلوب وانفسلدينا إذا في غيره قطعت برد
تلين له الصم الصلاب وتنهميعيون ويبكي عنده الحجر الصلد
فلا مقلة ترنو ولا أذن تعيولا راحة تعطو ولا قدم تعدو
وقد كان يبدو الصبر منا تجلدافهذا مصاب صبرنا فيه لا يبدو ومن شعره في غرض العتاب:
روض المشيب تفتحت ازهارهحتى استبان ثغامه وبهاره
ودجى الشباب قد استبان صباحهوظلامه قد لاح فيه نهاره
فأتى حمام لا يعاف وقوعهومضى غراب لا يخاف مطاره
والعمر مثل البدر يونق حسنهحينا ويعقب بعد ذاك سراره
ما للإخاء تقلصت أفياؤهما للصفاء تكدرت آثاره
والحر يصفح إن أخل خليلهوالبر يسمح ان تجرأ جاره
فتراه يدفع إن تمكن جاههوتراه ينفع ان علا مقداره
تعلم أنني زمن الصباما زلت زنداً والحياء سواره
ولانت تعلم أنني زمن الصباما زلت ممن طاب فيك إزاره
والهجر ما بين الأحبة لم يزلترك الكلام أو السلام مثاره
ولكم تجافى عن جفاء خليلهفطن وقد ظفرت به أظفاره
ولكم أصر على التدابر مدبرأفضى إلى ندم به إصراره
فأقام كالكسعي بان نهارهأو كالفرزدق فارقته نواره
أنكرتم من حق معترف لكمبالحق ما لا ينبغي إنكاره
والشرع قد منع التقاطع نصهقطعا وقد وردت بذا أخباره
والسن سن تورع وتبرعوتسرع لتشرع تختاره
ما يومنا من أمسنا قدك اتئدذهب الشباب فكيف يبقى عاره
هلا حظرتم أو حذرتم منه مافرض عليكم حظره وحذاره
عجبا لمن يجري هواه لغايةمحدودة إضماره مضماره
يأتي ضحى ما كان يأتيه دجىفكأنه ما شاب منه عذاره
فيعد ما تفنى به حسناتهويعيد ما تبقى به أوزاره
فالنفس قد أجرته ملء عنانهايشتد في إحضارها إحضاره
والمرء من إخوانه في جنةبل جنة تجري بها أنهاره
فاليمن قد مدت إليه يمينهواليسر قد شدت عليه يساره
شعر به أشعرت بالنصح الذييبديه من أشعاره إشعاره
ولو اختبرتم نقده بمحكهلامتاز بهرجه وبان نضاره
هذا هدى فبه اقتده تنل الرضىأو أنت في هذا وما تختاره
وعليكم مني سلام مثل ما ... أرجت بروض يانع أزهاره الصوفي المتاله أبو عمرو محمد بن يحيى بن إبراهيم بن محمد بن مالك بن عباد النفزي ﵀
صوفي صافاه المصافي، أورده من عين اليقين في الزلال الصافي، فقال: من أنا ومن أوصافي، مهما حكمت إنصافي، وبرز إلى الأهوال فقارع أبطالها، وإلى المشاهدات يشكو مطالها، وفر من الشواغل التي تشوش الوقت، وتجلب المقت، فما أبقى جدة تنسب،
ولا لحظة عليه تحسب، ورقي من التأله في سفينة بعدما عابها، وعانى الطريقة فاقتحم شعابها، وكان له حظ من العلم غير منزور، وشعر لا يرمى بسهمه غرض زور؛ فمن ذلك قوله:
هذا العقيق فسل معاطف بأنههل نسمة عادته من نعمانه
واسأله ان زارته ماذا أخبرت ... عن أجرع العلميين أو سكانه وأصخ لحسن حديثها واعده للمضنى ففيه البرء من أشجانه ...
يا حبذا ذاك الحديث وحبذامن قد رواه وحبذا ببيانه
وسقى الإله زمانه ومكانهويعز قدر زمانه ومكانه
يا سعد ساعد مستهاما فيه لاذقت الهوى ونجوت من عدوانه
وأصخ لمل يجلو الوجود عليك منأنبائهم بلسان حال بيانه
وأبنه لي واقبل ذماي بشارةويقل بذل ذماي في تبيانه
وسل النسيم يهب من واديهمبشذا خزاماه وطيب ليانه
ارحم بروح منه روحي تحيهوبسقمه سقمي فديتك عانه
وبنشره انشر نفس مشتاق قضتشوقا لنفحة هبة من بانه
يا سعد حدثني حديثا عنهمويجل قدر الحب عن نسيانه
يا سعد طار حنيه واملأ مسمعيمن سره إن شئت أو إعلانه
أنا في الغرام أخوك حقا والفتىلا يكتم الأسرار عن إخوانه
قل كيف وادي واد سكان الحمىومنى أمانيه وروض أماته
هل قلصت أيدي النوى من ظلهأو ما جرى هل عاث في جريانه
وهل الربوع أو أهل بحمى لهمفسقى الربوع الودق من هتانه
وهل التقى بان على عهد الهوىوهل اللوى يلوي بعود زمانه
وبروض السهم عهدت نضارةنزهت منها القلب في بستانه
وارى هجير الهجر اذبل يانعامنه وأذوى الغض من ريحانه
أحال حال الأنس فيه وحشةوطوى بساط الأنس في هجرانه
واها ووالهفي وويحي ان مضىعهد عرفت الأنس في أزمانه
وباجرع العلمين من شرقيهحب غذاني حبه بلبانه
حاز المحاسن كلها فجمعن ليكل الهوى وحملت كل هوانه
وزها علي بعزه فبواجبأزهى بذلي في يدي سلطانه
وقضى بان اقضي وليت بما قضىيرضى فطيب العيش في رضوانه
واختار لي أن لا أميل لسلوةعن حبه فسلوت عن سلوانه
يا عاذلي أو ناصحي أو لائميتبغي السلو ولات حين أوانه
غلب الغرام وعز سلطان الهوىفالكل فيه علي من اعوانه
فعلام تعتب مستهاما كل مافي الكون عاذره على هيمانه
دع عنك لومي إنني لك ناصحأبدى الجمال العذر عن هيمانه
وإذا الفتى قام الجمال بعذرهفي الحب فاتركه وثني عنانه
من سام قلبي في هواه سلوةقد سامه ما ليس في إمكانه
وقال أيضا رحمه الله تعالى:
يا للرجال الأحب يساعدنيفي ذا الغرام فابكيه ويبكيني
غلبت فيه وما أجدت مغالبتيوهنت، والصب أولى الناس بالهون
ركبت لجته وحدي فأدهشنيوتهت في بيده فردا فدلوني
واضيعة العمر والبلوى مضاعفةمن بين يأس وآمال ترجيني
والهف نفسي إن أودت وما ظفرتفي ذا الهوى بتمن أو بتامين
وليت شعري وعمري ينقضي طوعافي الحب ما بين مغلوب ومغبون
هل للألى ملكوا رقي وقد علموابذلتي وافتقاري أن يواسيني
فكم أكفكف دمعي بعدهم وارىمجددا نار يأسي وهي تبليني
وكم أمر على الأطلال اندبهاوبالمنازل من خيف ودارين
وفي الفؤاد لهم ما ليس يعلمهالأهم علمهم بالحال يكفيني
أهمي المدامع كي أروى فتعطشنيوالزم الذكر للسلوى فيشجيني
وكل من لمحت عيني أسائلهعنهم فيغري بهم قلبي ويغريني
يا أهل نجد ومجدي ان احبكملا اطلب الوصل عز الحب يغنيني
هل في الهوى من سبيل للمنى فلقدعزت امانيه في النيا وفي الدين
وقال أيضا: رحمه الله تعالى:
سري يسر اليك انك تاركينفسي فداك للطفك المتدارك
يا مالكي ولي الفخار فإننيلك في الهوى ملك وانك مالكي
الترك هلكي فاعفني منه وعدبالوصل تحي ذما محب هالك
واعد جميلا في الهوى عودتنيإن لم تعده إلي من للهالك
يا منية القلب الذي بجمالهفتن الورى من فاتك أو ناسك
أأتيه دونك أو أحار وفي سناذاك الجمال جلا الظلام الحالك
ولكم سلكت إليك لكن حين لمتكن الدليل اختل قصد السالك
ولقد عرفت بستر سري في الهوىفهجرتني فكسيت ثوب الهاتك
ما الستر إلا ما يحوك رضاك لاما حاكه للستر كف الحائك
ما الفصل إلا ما حكمت به فعدواهتك وصل إن شئت أو كن تاركي
مالي سوى حبيك يا حبي فدعتركي فهلك الملك ترك المالك
الشيخ الخطيب الصالح أبو عبد الله محمد بن احمد الساحلي نفع الله ببركاته آمين.
علم العباد، بين البلاد والعباد، ومحج العاكف والباد، من المتقربين إلى الله تعالى برمي جمار الدموع وهدي الاكباد، قد قسمت زمانه الاوراد، وتعينت له الإشارة في وقته والانفراد، وكان أصحابه يخبرون بمشاهدته الصورة المحمدية عيانا، وتلقيه المراشد من لدنها أحيانا؛ وقدر هذا الرجل اشهر، وفضله اظهر، من ان يطريه القلم أو يعرف به وهو العيلم؛ وكان يلم بالشعر عادلا عن المقاصد المتركة، ونجلب منه بقصد البركة، قوله:
إن كنت تطلب أن تنال وصالهمفامح الهوى في القيل والأفعال
واصبر على مر الدواء فإنهيأتيك بعد بخالص السلسال
الخطيب أبو القاسم محمد بن احمد بن جزي الكلبي شيخنا رحمه الله تعالى ورضى عنه:
قريع أصالة قديمة، وبارق ديمة، وذخيرة في صوان أقطار عديمة، تفخر منه الحضرة بقرى مائها وهوائها، ونيرها الذي استقل بخط استوائها، والحر يسر بقريع نجاره، وفضل اتجاره، ويفرح بنجابة ولده اكثر منه بولد جاره، كان ﵀ كثير الاجتهاد، منكب الهاد، متوصلا لوصال السها بالسهاد، وهجر المهاد، فدون وصنف، وقرط المسامع وشنف، وتقدم بالجامع الأعظم خطيب حفله، وأمام فرضه ونفله، مع توفر اهاه، وتعدد شيخه في الاختيار وكهله، فوقع عليه الاتفاق، وانعقد الاصفاق، وعقد له في عصا منبره اللواء الخفاق، ولم يزل يقيم الرسوم تدريسا وتعليما، وردا وتسليما، ويسرح في روض المعارف مسيما، إلى ان استشهد في الوقيعة
الكبرى كرم الله مصرعه ونفعه بما تجرعه، وترك خلفا نجيبا، فكان في سعادة المحيا والممات عجبا عجيبا، ومن شعره:
وكم من صفحة كالشمس تبدويسلي حسنها في عنفوان الشباب
غضضت الطرف عن نظر إليهامحافظة على علمي وديني وقال في هذا المعنى أيضا:
وقائلة لم هجرت التصابيوسنك في عنفوان الشباب
يمر زمان الصبا ضائعاولم تله فيه ببيض الكعاب
ولم تدر لذة طيب الهوىولم ترو من سلسبيل الرضاب
فقلت أبى العلم إلا التقىوهجر المعاصي ووصل المتاب
ومن لم يفده طلاب العلومرجاء الثواب وخوف العقاب
فخير له الجهل من علمهوأنجى له من اليم العذاب وقال مشفقا من ذنبه، ومتضرعا إلى ربه:
يا رب اليوم قد عظمتفما أطيق لها حصرا ولا عددا
وليس لي بعذاب النار من قبلولا أطيق لها صبرا ولا جلدا
فانظر الهي إلى ضعفي ومسكنتي ... ولا تذيقنني حر الجحيم غدا وقال في الجانب النبوي كرمه الله تعالى وشرفه:
أروم امتداح المصطفى فيصدنيقصوري عن إدراك تلك المناقب
ومن لي بحصر البحر زاخرومن لي بإحصاء الحصى والكواكب
ولو ان أعضائي غدت السنا إذالما بلغت في المدح بعض مآربي
فأسكت عنه هيبة وتادباوخوفا وإعظاما لا رفع جانب
ورب سكوت كان فيه بلاغةورب كلام فيه عتب لعاتب الخطيب الأجل احمد بن علي بن خالد
القتوري أبو جعفر (رحمة الله عليه)
فاضل تألق صبحه واستبان، وعم شعاعه الكثبان، تزيا بالانقباض وتزين، وتميز بالخيرية التامة وتعين، فهو في البادية صدر تخطبه الحاضرة
وروض تغار منه الرياض الناضرة، وله شعر في البلاغة أقسامه، وطبق مفاصل الفصل حسامه، فمن ذلك قوله يخاطب شيخنا ابن الجياب وقد بعث إليه رسالة ضاعت في الطريق:
زعموا بان الهدي هدي ألوكةللمجد ضاع فقلت ذلك دينه
طورا يثبطه الحياة وتارةبعد المزار ووعثه وحزونه
ومهابة البيت المؤمل ركنهومقامه السامي الذرى وحجونه
وبداوة المهدي الذي تهذيبهفحش ورقة لفظه تخشينه
فإذا بعثت به وقد أشعرتهقلبي وحان إلى الحبيب حنينه
وبقيت ارقب برق يمن باوغهوقفوله عميت علي شثونه
ولربما أصدرته مع مرتضىمستشفعا بجلاله فيصونه
حتى إذا دانى المحل أصابهقدر اعد له هناك كمبنه
فكان قوس النائبات نحا لهغرضا أو دهر الحسود يخونه
أسفي على زمن مضى لم تقض منحق السيادة من عداه ديونه
حق امرئ ماضي العزيمة صارملدن المعاطف اذ تهز غصونه
حوت الفضائل كلها من غير ماتعب يداه: شماله ويمينه
تعنى مواهبه الجسام بمن عنىبجلاله فتقيمه وتعينه
ما راقني مذ رق لي شيء سوىرق يشين حليه ويزينه
لم يلقه ذو عسرة إلا انثنىيسرا أجلى خوفه تأمينه
سبر الزمان وسن فيه طريقةمثلى سيتعب غيره مسنونه
بحر المعالي والعفاف شعارهمذ شب لم يشب الوقار مجونه
فانسيه أذكاره، وجليسهما نصه عن ربه جبرينه
يا سيدا ازرى بقي نثرهوزرى على سحبانه موزونه
يا بيت علم يستوي فيه الورىبادية منهم ان بدا وقطينه
يا كعبة الآمال لا صد الذينذر الزيارة ان تبر يمينه
ولئن صددت، ولا صددت، فان ليقلبا يرى صور الكمال يقينه
أمؤملي الأسنى أبا حسن أماينبيك عن شوقي إليك أنينه
ويريك سر النكر منك بأننيصافي الوداد والاعتقاد رصينه
حسبي ففيك لكل طالب حجةخصم ووجه العذر انت مبينه
يا نائبا عنا وفي وسط الحجىمنا، وان نأت الديار، سكونه
أتراك تعلم إن قلبي قلماكذبته يوما في علاك ظنونه
وهو المؤمل ان يرى بك واحدالحقوقه والدهر ليس يمينه
ولولا عوارفك التي طوقتهاجيدي فاشرق صدره وجبينه
والله يخلق ما يشاء وكل مايختاره للعبد فهو يزينه
سلمت للأقدار تسليم امرئ ... رضي القضاء فشانه تهوينه ومن شعره يخاطب بعض رجال الدولة، ومن خطه نقلته:
ما زلت في حال الإقامة سيدياسري بآمالي إليك ومقصدي
وأود لو سمح الزمان بوقفةبفناء بابك في العلا والسؤدد
ورأيتني ما لم أنلها مخطئاومقصرا فيها إذا لم اجهد
فركبت من عزمي إليك مطيةووردت للآمال أعذب مورد
ولأنت اشرف من وقفت ببابهوشددتها ثقة بسؤددها يدي
والله يمنحك الفضائل عادة ... ويقر عينك بالعناية في غد فقد شهيدا بكائنة طريف في جملة من الأعلام مثله رحمهم الله تعالى.
الشيخ الخطيب أبو علي عمر بن علي عتيق
ابن احمد القرشي رحمه الله تعالى
هذا الرجل ممن تشمر لعبادة الله وائتمر، ونهى في طاعة الله سبحانه وامر، وهز بجذع النخلة فتساقط الثمر، ممن يقال فيه: " إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر "، حج وزار، وشد للطواف الإزار، وسمع في رحلته عن جلة، وإعلام بر وتجلة، وقفل فقدم بالحضرة خطيبا في الحفل، وأمام الفرض والنفل، إلى أن انتقل من الدرجة الراقية، إلى كرامة الدار الباقية، وله شعر قليل يجلب مثله للبركة، من بين الأقوال المتركة، فمن ذلك ما ثبت بظهر الكتاب المسمى بالفوائد المنتخبة والموارد
المستعذبة من تأليف شيخنا أبي بكر بن ذي الوزارتين أبي عبد الله ابن الحكيم:
كتابك ذا يا من هوته المفاخرسنا وسناء فهو باه وباهر
لقد جاء كالعقد المنظم ناثرافوائد، قس عنك في ذاك قاصر
بلاغته في القوم تشهد عندمايشكك فيه انه عنك صادر
فلله من روض أنيق غصونهبما نتمناه فزاه وزاهر
فما شئته فيه تجده كأنهلناظره بحر طمى وجواهر
فيهنيكم يا بن الأولى شاع مجدهمفزادهم مجدا بذلك آخر
أبنت بما فيه أتيت حياة منحوته على مر الدهور المقابر
وأبديت فيه سحر لفظك رائقاتلذ به الأجفان وهي سواهر
ومتعت طرفي فيه لا زلت باقياونجاك ربي يوم تبلى السرائر
وخصك مني بالسلام مرددا ... عليك مدى الدنيا وما طار طائر الشيخ الصوفي الحسيب عبد الله أبو محمد بن أبي محمد
عبد البر بن أبي المجد الرعيني، ﵀:
هذا الرجل علم من أعلام البادية، وشهاب من شهبها الهادية، وصاحب نفس من ضيم الجهالة متفادية، وفي سبيل الفضل رائحة وغادية،
طلع بأفقه ونجم، وصاب عارض عارضيه وانسجم، إلى دين لا تغمز قناته، وخلق يرضي الله تعالى حلمه وأناته، وله شعر يسير يعرب عن حاله، ويعرض عرض انتحاله، فمن ذلك قوله،
يا مؤثرا عدمي بفضل وجودهيا مغنيا فقري بمطلق جوده
فإذا سجدت أقول: سبحان الذيوجهي يشير لوجهه بسجوده
وارى صفاتي بعد ذا عاريةمهما تلاشى العبد في معبوده
فاقول ليس سواك لي بمشاهدعين المشاهد غاب في مشهوده
يا صاح خل الصحو عني جانباوادر علي الصرف من عنقوده
في المحو إثبات وليس بثابت ... من ذاته من غير عين وجوده ومن ذلك المعنى قوله، رحمه الله تعالى ورضى عنه:
لا تقل نعرف ربي ... ما تملأت حياتك إنما تعرف مولاك إذا تعرف ذاتك ... الشيخ الخطيب أبو عبد الله بن حربلة، ﵀:
شيخ متطلب، ولكفيه على ما فاته مقلب، ولكفة النبل على أختها مغلب، خطب وأم، وعرج بربع الفضل وألم، وتوفي عن خزانة كتب أسفارها عديدة، وأغراضها سديدة، وكان له شعر نزر، لا ينبت
له بزر، ولا يعاقب مده إلا جزر، فمن ذلك بيتان خالف فيهما نهج الامم، ونسي قوله ﵊: " تزوجوا فإني أباهي بكم الأمم ":
يا عازبا لا تذل نفساعودتها العز والفرح
بزوجة فالزواج ذل ... لو زوج الكلب ما نبح ؟ الخطيب أبو الطاهر محمد بن احمد بن حسين
ابن صفوان القيسي، رحمة الله عليه ورضوانه:
آخر المتشوقين لمقامات المتصوفين، والمتصفين بأوصاف المنصفين، كان رحمه الله تعالى عاكفا على القران ينتجع روضه، ويرد كل آونة حوضه، وممن فتح عليه في فهم مقاصد القوم، وما يرومونه من الروم، حالي اليقظة والنوم، وممن اوتر وشفع، ونفع وانتفع، كثر منتابه، واعملت إليه أكباد الركب واقتابه، وجدد بقطره مباني الطريقة والأساس سنة الله تعالى وكتابه، إلى أن أفل شهابه، وحان ذهابه، ففقد منابه، واقشع من القطر جنابه، وكان له نظم يندر، وعن صدره في بعض الأحيان يصدر، فمن ذلك قوله يذيل قول أبي يزيد ﵁:
رأيتك يدنيني إليك تباعديفأبعدت نفسي وابتغائي من القرب
هربت به مني إليه فلم يكنبي البعد في بعدي فصح به قربي
فكان به سمعي كما بصري بهوكان به لا بي لسان مع القلب
فقربي به قرب بغير تباعد ... وقربي في بعدي فلا شيء من قربي الخطيب أبو عبد الله محمد بن محمد البدوي الحاج البلشي
كان رحمه الله تعالى خطيبا طلق اللسان، وأديبا رحب الاحسان، ما شئت من خلق زلال، وخلال آمنة من الاختلال، تشرف بالرحلة الحجازية، ولبس من حسن الحجى زيه، ثم أسرع ببلده حط القتادة والرحل، واقبل إليه اقبال الغمام بعد المحل، واستقر به خطيبا يهز بواعظه المجامع، ويقرط المسامع، ويسيل من الجفون المدامع، وله أدب لا باس به، والكتبة اعرق في نسبه. فمن شعره:
خال على خديك أم عنبرولؤلؤ ثغرك ام جوهر
اوريت نار الوجد طي الحشفصارت النار بها تسعر
لوجدت لي منك برشف اللمىلقلت خمر عسل سكر
دعني في الحب أذب حسرةسفك دم العاشق لا ينكر وقال في غرض التغزل، ﵀:
عيناي تفهم من عينيك أسراراوورد خديك يذكي في الحشا نارا
ملكت قلب محب فيك مكتئبقد اثر الدمع في خديه آثارا
رضاب ثغرك يروي حر غلتهيا ليت نفسي تقضي منه أوطارا
انعم بطيف خيال منك المحهماذا عليك لطيف منه لو زارا
نفسي فداؤك من ظبي به وطفيصبو له القلب مضطرا أو مختارا وقال أيضا رحمه الله تعالى:
أيها الظبي ترفقبكئيب قد هلك
الذنب تتجنىالشيء وصلك
إنما روحي ملكوكذا قلبي لك
إنما أنت هلالفلك القلب فلك
الخطيب الشيخ أبو يزيد خالد بن خالد الونالشي، ﵀:
شيخ مليح الخطابة، جامع بين الإطالة والإطابة، والنغمة المستطابة، انس بالانقطاع، وتعلل بيسير هذا المتاع، بجهد الاستطاع، وانقبض وتقشف، وقبل ثغر الحقيقة وترشف، وكان مجموع خصل، وضاربا في هدي الفصل بنصل، وله شعر عطرة جرياله، موشاة طرره وأذياله، فمن ذلك:
غرامي قديم بالحمى وجديدوشوقي إلى من حل فيه شديد
ولي من هوى سكانه وله متىتذكرت أو فكرت فيه يزيد
هم غيب بالحسن عن بصري وهممعي بالمعاني في الجنان شهود
يلوحون لي سرا فتلمح مهجتيمن أسرارهم ما اللحظ منه بعيد
فيشقى بهم لحظي وتسعد مهجتيفمن جملتي شاق بهم وسعيد
هم اسهروا جفني لنفيهم الكرىفما للكرى المنفي بعد وجود
وفي الحب من انفاس نفسي صعدوادموعا شكت من حرهن خدود
بحشو الحشا نار الصبابة أودعوافمن حرها بين الضلوع وقود
أحاديثهم أشهى لدي من الصبالو ان الصبا يوما بذاك تجود
بها روح أنفاس تروح وروحهاإذا ما للصبا ذاك الحديث تعيد
أعيدي صبا نجد علي حديثهمففي عودها روح الحياة يعود
وعد يا خليلي باجتماعي موعدافيوم اجتماعي ذاك عندي عيد
ارى الحب يبلى ان تطاول عهدهوحبي، وان طال الزمان، جديد
فلا تبكروا وجدي وفرط صبابتيإذا ما بدا منها علي شهود
فقد كان بالمعنى وجودي واحداووجودي وما للكون قبل وجود
فان قيل ان مقالتي مدعفعندي على دعواي فيه شهود وقال أيضا، رحمه الله تعالى:
خليلي ان مررت على المغانيوأدناك اشتياقك للمعاني
فحي الساكنين هناك عنيبمجموعي فؤادك واللسان
وصف شوقي لهم أبدا ووجوديبأوصاف تجل عن العيان
وقل ما زال ذلكم المعنىيعاني للصبابة ما يعاني
تضيق الأرض بعدكم عليهكأن الكون ضاق عن المكان
وتعروه لذكراكم جنونمن الأشواق تعبث بالجنان
تخال الصب حين تراه حيالدى التذكار وهو هناك فان
وأفنى ما يكون ان اعترتهمعان كان يألف بالمغاني
زمان الصب مر ولا جوابيرى منكم على مر الزمان
وقد كنتم بذاك وعدتموهفما للوعد أعقبه التواني
رضيتم بالبعاد له وما انعلى حمل البعاد له يدان
وقد عز اقترابكم وامسىمن التقريب يقنع بالأماني
ينادي عند ذاك بكل نادلسان الشوق فيه نداء عان
من الدنيا وصالكم المنى لويرى يوما لوصلكم تدانى
متى يبدو من ارضكم بريقلعينيه فيسعد بالعيان
وتدنو بعدما شحطت ديار ... فنجني الوصل من شجر التداني الشيخ المكتب أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد العبدري اليتيم
رحمة الله عليه وغفرانه:
مجموع أدوات حسان، من خط ونغمة ولسان، أخلاقه روض تتضوع نسماته، وبشره صبح تتألق قسماته، يقرطس أغراض الدعابة ويصميها، ويفوق سهام الفكاهة إلى مراميها، يتحرف بالتعليم والتكتيب، مغرى في أموره بحسن الترتيب، وخطب بقصبة بلده متحليا بوقار وسكينة، حالا
من النفوس بمكانة مكينة. وله شعر لا يرتد في سماء الإجادة طرفه، ولا يقصر عن الغاية طرفه، فمن ذلك قوله:
آيات حسنك حجة للتاليفي الحب قائمة على العذال
يا من سبا طوعا عقول ذوي النهىببلاغة قد أيدت بجمال
يستعبد الأبصار والإسماع مايجلو ويتلو من سني مقال
وعليك أهواء النفوس بأسرهاوقفت فغيرك لا يمر ببال
رفعت لديك في البلاغة رايةلما احتللت بها وحيد كمال
وغدت تباهي منك بالبدر الذيتعنو البدور لنوره المتلالي
ماذا ترى يا ابن الخطيب بخاطبودا ينافس فيك كل مغالي
جذبته نحو هواك غر محاسنمشفوعة أفرادها بمعالي
وشمائل رقت لرقة طبعهافزلالها يزري بكل زلال
وحلي آداب بمثل نفيسهاتزهو الحلى ويجل قدر الحالي
تستخدم الياقوت عند نظامهافمقصر من قاسها بلآلي
سبق الأخير الأولين بفضلهافغدا المقدم تابعا للتالي
شغفي ببكر من عقائلها إذاتبدو تصان من الحجى بحجال
فابعث بها بنت المنى ممهورةطيب الثناء لنقدها والكالي
لازلت شمسا في الفضائل يهتدىبسناك في الاقوال والاعمال
ثم عليك السلام يترى ما تلتبكر الزمان روادف الآصال
الخطيب الحاج أبو عبد الله محمد بن علي ابن يوسف السكوني، ﵀:
طالب رحل غفلا من الشهرة لم تلح عليه سمة، ولا عمرت دمنه منها بسمسمة، فحج وشرق، وتدرج وتطوق، وأزهر دوحه وأورق، وقدم يحمل رواية جمة، ويجلو محاسن معتمه، وينظم شعرا لا باس بعرضه، ولا تنكر سماؤه على ارضه، فمن ذلك في الغرض المعروف:
أمن بعد ما لاح المشيب بمفرقيأميل لزور بالغرور يصاغ
وارتاح للذات والشيب منذربما ليس عنه للأنام مراغ
ومن لم يمت قبل المشيب فإنهيراع بهول بعده ويراغ
فيا رب وفقني إلى ما يكون ليبه للذي أرجوه منك بلاغ وهذا مترفع عن نظمه، ومن شعره كذلك:
يا من عليه اعتماديفي قل أمري وكثره
سهل علي ارتحاليإلى النبي وقبره
فذاك أقصى مراديمن الوجود بأسره
وليس ذا بعزيزعليك فامنن بيسره
الخطيب العدل علي بن احمد بن محمد بن احمد الحسني
أبو الحسن الأحيمر:
رجل وقار وسكون، له إلى الخير ركون، والى خواطره الجائلة في شعب التقى وكون، أيقن ان الله تعالى بالمرصاد، فلازم خطة الاقتصاد، إلى أن ابيض زرعه للحصاد، وعلقت طيره حبائل المصاد، وله شعر يحيد ويجيد، ويباين مبانيه التنجيد، ثم يتحلى آونة منه الجيد، فمن ذلك قوله من قصيدة:
أرى لك في الهوى نظرا مريباكأن عليك عاذلا أو رقيبا
ولست بخائف في الحب شيئاعلى نفسي مخافتي المشيبا
يريني كل ما تهواه نفسيقبيحا مالئا عيني عيوبا
أتى منه ابن قيس لا براحفذق مر التأسف مستطيبا
إذا كنت تبكي فقد حبفما مثل الشباب حبيبا وقال أيضا من أخرى أولها:
الآن تطلب ودها ووصالهامن بعدما شغلت بهجرك بالها
وقد استحالت فيك سيماء الصباحالا يروع مثلها أمثالها
وأتيتها متلبسا بروائعنكر بفودك أصبحت عذالها
بيض تخيل للنفوس نصولهاسمرا تحول للنحور نصالها
مثل الأفاعي الرقط تنفث في الحشاوارى بفودك كمنا أصلالها
نار تضرم في الفؤاد حريقهالكن تشب بمفرقيك ذبالها
جزعت لهذا الشيب نفسي وهي مازالت تهون كل صعب نالها
ولكم صدعت بنافذ من عزمتييهماء لا يهدى الدليل خلالها
صادمت من كرب الدنا أشتاتهاما خفت غربتها ولا إخلالها
ولئن تقلص عسرتي فيء الغنىعني فلي نفس تمد ظلالها
ما مزقت ديباجتي عين امرئعرضت عليه النفس قط سؤالها
ألقى الليالي غير طيب صرفهاوالاسر غير مجنب أغيالها
امشي الهوينا والعداة تمر فيجري يطير عن الجياد نسالها
علمت لي الخلق الجميل محققاوتسيء في على عمى أقوالها
تبغي انثنائي هل سمعت بنسمةمرت على نجد تهز جبالها
ولربما عرضت لعيني نظرةيرضى الحكيم غرامها وخبالها
من غادة سرق الصباح بهاءهاوالبدر في ليل التمام كمالها
تهوى المجرة ان تكون نجومهامن حليها، وهلالها خلخالها
عرضت كما مرت لعينك مطفلترعى بناظرها الكحيل غزالها
ما نهنهت نفسي وان ظمئت لهاعبراتها يوم الوداع وما لها
من كان يأمل ان يقوم بمجلسحطت به شهب السما أثقالها
تجني أحاديث السراة أولي النهىنصا وتضرب في العلا أمثالها
ألقى هواه جانبا وسرت بهوجناء تدمن في الفلا أعمالها وختمها بعد مدح السلطان بقوله:
يا أيها الملك الذي من ملكهجنت الملوك جمالها وجلالها
خذها كما دارت بكاس سلافهاحوراء تمزج باللمى جريا لها
تثني على السحر المبين وشاحهاوتدير من خمر الفتور حلالها
لمياء تبرز للعيون كشاطروالعقل يوجب حكمه إجلالها
وقفت وذو أحسابها من هاشممن خير سبط العالمين حيالها
ترجو رضاك وطالما أرضيتمآل النبي وكنتم أرضى لها
كم من يد بيضا لدينا منكمشكر الإله وأولياه فعالها
آويتم آسيتم واليتمأحللتمونا داركم وحلالها
وهجرتم لوصالنا أعداءناووصلتم لصلاتنا أوصالها
فصلوا حمانا ما استطعتم وصلهتعطوا من أجزاء الجزاء جزالها
الخطيب أبو عبد الله محمد بن جعفر بن مشتمل
الاسلمي البلياتي ﵁:
مجموع مغبوط، وذهب استأثر به من البادية بوط ما شئت من فضل وعفاف، وتبلغ بكفاف، وصون ضاف، وباطن صاف، غير منضاف، دون والف، وتسهل وتكلف، وتحلق بجناح شهم، ورمى إلى اكبر الفنون بسهم، وكان في جهته صدرا، وهلالا لو أمهله الأجل لكان بدرا، إلا انه اعتبط اثر ما به اغتبط، وكان له حصة في الفضل الماثور، وحظ في المنظوم والمنثور. فمن شعره:
سباني من بين المغاني عقيقهاومن بينه انفضت بعيني عقيقها
وسالت بآمالي إليها قبابهافأشرقني بالدمع منها شروقها
فهيج أنفاسي غراما نسيمهاوتقدح نار الشوق عند بروقها
ومن دون واديها ظباء خواذلحكى لحظها ماضي الشفار رقيقها
فلو برزت للشمس منهن في الضحىمخدرة أضحت كمالا تفوقها
نسيم الصبا ان سرت نحو الحمى فقليحيي الديار النازحات مشوقها
غريب كئيب مستهام متيمجريح الجفون الساهرات غريقها
فهل عطفة ترجى وهل أمل يرىلعودة أيام تقضى أنيقها
سقى ربعكم من ادمع الصب جودهاومن ديم الغيث الملثات ريقها وقال موطئا على البيت الأخير:
ما للأحبة في أحكامهم جاروانأوا جميعا فلا خل ولا جار
كيف الحياة وقد بانت قبابهموقد خلت منهم والهفي الدار
حداة عيسهم بالقلب قد رحلوايا ليتهم حملوا الجثمان اذ ساروا
جار الزمان علينا في فراقهممن قبل ان تنقضي للصب أو طار
ساروا فخيمت الأشواق بعدهمما لي عليها سوى الاماق أنصار
تراك يا ربعهم ترجو رجوعهميا ليت لو ساعدت بذاك أقدار
ودعت منهم شموسا ما مطالعهاإلا جيوب وأطواق وأزرار
استودع الله من جاز الفراق بهموخلفوني ودمع العين مدرار
النص من طبعة دار الثقافة ببيروت (١٩٦٣م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع