تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

مسجد دمشق

الذى ما عمر على وجه الأرض مثله وكانت عمارته فى سنة ست وثمانين، عمّره الوليد بن عبد الملك. ووقع الحريق فيه فى سنة إحدى وستين وأربعمائة، فدثرت محاسنه وزال ما كان فيه من الأعمال النفيسة.

وعن قتادة، قال: أقسم الله تعالى بمساجد أربعة، قال: «والتّين» وهو مسجد دمشق، «والزّيتون» وهو بيت المقدس، «وطور سينين» وهو حيث كلم الله موسى، «وهذا البلد الأمين» وهو مكة.

وقال محمد بن شعيب: سمعت غير واحد من قدمائنا يذكرون أن التين مسجد دمشق، وأنهم قد أدركوا فيه شجرا من تين قبل أن يبنيه الوليد.

وعن هشام بن عبد الملك قال: لما أمر الوليد ببناء مسجد دمشق، وجدوا فى الحائط القبلىّ من المسجد لوحا فيه نقش فأتوا به الوليد، فبعث إلى الروم والعبرانيين وغيرهم، فلم يستخرجوه. فدلّ على وهب بن منبّه فبعث إليه، فلما قدم أخبره بموضع ذلك اللوح فإذا الحائط الذى وجد فيه بناء هود ﵇.

وعن زيد بن واقد قال: وكّلنى الوليد على العمال فى بناء جامع دمشق، فوجدنا فيه مغارة فعرّفنا الوليد ذلك. فلما كان الليل وافى، وبين يديه الشّمع، فنزل فإذا هى كنيسة لطيفة: ثلاثة أذرع فى ثلاثة أذرع، وإذا فيها صندوق، ففتح فإذا فيه سفط، وفى السّفط رأس يحيى بن زكريا ﵉، مكتوب عليه: «هذا رأس يحيى بن زكريا». فأمر الوليد، فردّ إلى مكانه، وقال: اجعلوا العمود الذى فوقه مغيّرا من الاعمدة، فجعلوا عليه عمودا مسفّط الرأس. وكانت البشرة والشعر على رأسه لم يتغير.

وقال أبو زرعة: مسجد دمشق خطّه أبو عبيدة بن الجرّاح، وكذلك مسجد حمص. وقيل: لما قدم المهدىّ يريد بيت المقدس، دخل مسجد دمشق ومعه أبو عبد الله الأشعرىّ كاتبه، فقال: يا أبا عبد الله سبقنا بنو أمية بثلاث، قال:

وما هنّ يا أمير المؤمنين؟ قال: بهذا البيت (يعنى المسجد) لا أعلم على وجه الأرض مثله، وبنبل الموالى فإن لهم موالى ليس لنا مثلهم، وبعمر بن عبد العزيز، لا يكون والله فينا مثله أبدا! ثم أتى بيت المقدس فدخل الصخرة، فقال: يا أبا عبد الله وهذه رابعة.

وحكى عمرو بن مهاجر الأنصارىّ قال: حسبوا ما أنفق على الكرمة التى فى قبلة مسجد دمشق، فإذا هو سبعون ألف دينار.

وقال أبو قصىّ: أنفق فى عمارة مسجد دمشق أربعمائة صندوق، كل صندوق أربعة عشر ألف دينار.

وقال بعض شعراء المحدثين فى وصفه:

دمشق قد شاع ذكر جامعهاوما حوته ربى مرابعها
بديعة المدن فى الكمال لمايدركه الطّرف من بدائعها
طيّبة أرضها مباركةباليمن والسّعد أخذ طالعها
جامعها جامع المحاسن قدفاقت به المدن فى جوامعها
تذكر فى فضله ورفعتهأخبار صدق راقت لسامعها
قد كان قبل الحريق مدهشةفغيّرته نار بلاقعها
فأذهبت بالحريق بهجتهفليس يرجى إياب راجعها
إذا تفكّرت فى الفصوص ومافيها، تيقّنت حذق واضعها
أشجارها لا تزال مثمرةلا ترهب الريح فى مدافعها
كأنّها من زمرّد غرستفى أرض تبر يغشى بفاقعها
فيها ثمار تخالها ينعتوليس يخشى فساد يانعها
تقطف باللحظ لا بجارحة الايدى ولا تجتنى لبائعها
وتحتها من رخامه قطع،لا قطع الله كفّ قاطعها
أحكم ترخيمها المرخّم قدبان عليها إحكام صانعها
وإن تفكّرت فى قناطرهوسقفه، بان حذق رافعها
وان تبيّنت حسن قبّتهتحيّر اللّبّ فى أضالعها
تخترق الريح فى مخارمهاعصفا فتقوى على زعازعها
وأرضه بالرّخام قد فرشتينفسح الطّرف فى مواضعها
مجالس العلم فيه مونقةينشرح الصدر فى مجامعها
وكلّ باب عليه مطهرةقد أمن الناس دفع مانعها
يرتفق الخلق من مرافقهاولا يصدّون عن منافعها
ولا تزال المياه جاريةفيها لما شقّ من مشارعها
وسوقها لا تزال آهلةيزدحم الناس فى شوارعها
لما يشاءون من فواكههاوما يريدون من بضائعها
كأنّها جنّة معجّلةفى الأرض، لولا سرى فجائعها
دامت برغم العدا مسلّمةوحاطها الله من قوارعها

وقال عبد الله بن سلام: بالشام من قبور الأنبياء ألفا قبر وسبعمائة قبر؛ وقبر موسى بدمشق؛ ودمشق معقل الناس فى آخر الزمان.

وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: من أراد أن ينظر إلى الموضع الذى قال الله ﷿ فيه (وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ)

فليأت النّيرب الأعلى بدمشق بين النهرين، وليصعد الغار فى جبل قاسيون، فليصلّ فيه فإنه بيت عيسى وأمّه. ومن أراد أن ينظر إلى إرم، فليأت نهرا فى دمشق يقال له بردى.

ومن أراد أن ينظر إلى المقبرة التى فيها مريم بنت عمران والحواريّون. فليأت مقبرة الفراديس.

ومن خصائصها التّفّاح الذى يضرب به المثل فى الحسن والطّيب. وكان يحمل منه إلى الخلفاء فى كل سنة ثلاثون ألف تفاحة.

وبها الغوطة، وهى أحد متنزّهات الدنيا الأربعة. وهى أجلّها.

وسنذكر وصفها فى باب الرياض إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.