من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر أخبار سياط
هو عبد الله بن وهب ويكنى أبا وهب، وسياط لقب غلب عليه. وهو مكىّ مولى خزاعة. كان مقدّما في الغناء رواية وصنعة، مقدّما في الطرب. وهو أستاذ ابن جامع وإبراهيم الموصلىّ وعنه أخذا، وأخذ هو عن يونس الكاتب. وكان سياط زوج أمّ ابن جامع. قيل: وإنما لقّب سياط بهذا اللقب لأنه كان كثيرا ما يغنّى:
كأنّ مزاحف الحيّات فيهاقبيل الصبح آثار السّياط
حكى أن إبراهيم الموصلىّ غنّى صوتا لسياط، فقال ابنه إسحاق: لمن هذا الغناء يا أبت؟ قال: لمن لو عاش ما وجد أبوك خبزا يأكله، سياط.
وحكى أن سياطا مرّ بأبى ريحانة في يوم بارد وهو جالس في الشمس وعليه سمل ثوب رقيق رثّ؛ فوثب إليه أبو ريحانة المدنىّ وقال: بأبى أنت يا أبا وهب! غنّنى صوتك في شعر ابن جندب:
فؤادى رهين في هواك ومهجتىتذوب وأجفانى عليك همول
فغنّاه إياه، فشقّ قميصه ورجع إلى موضعه من الشمس وقد ازداد بردا وجهدا.
فقال له رجل: ما أغنى عنك هذا من شقّ قميصك؟! فقال: يابن أخى، إن الشعر الحسن من المغنّى المحسن ذى الصوت المطرب أدفأ للمقرور من حمّام محمّى. فقال له رجل: أنت عندى من الذين قال الله تعالى فيهم: (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ)
فقال: بل أنا ممّن قال الله تعالى فيهم: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)
. وقد حكيت هذه الحكاية أيضا من طريق آخر: أنّه لمّا غنّاه هذا الصوت شقّ قميصه حتى خرج منه وبقى عاريا وغشى عليه واجتمع الناس حوله، وسياط واقف يتعجّب مما فعل، ثم أفاق فقام إليه. فقال له سياط: مالك يا مشئوم! أىّ شىء تريد؟ قال: غنّنى بالله عليك يا سيدى:
ودّع أمامة حان منك رحيلإنّ الوداع لمن تحبّ قليل
مثل القضيب تمايلت أعطافهفالرّيح تجذب متنه فيميل
إن كان شأنكم الدّلال فإنهحسن دلالك يا أميم جميل
فغنّاه، فلطم وجهه حتى خرج الدّم من أنفه ووقع صريعا. ومضى سياط وحمل الناس أبا ريحانة إلى الشمس. فلما أفاق قيل له في ذلك فقال نحو ما تقدّم. قال:
ووجّه إليه سياط بقميص وسراويل وجبّة وعمامة.
وكانت وفاة سياط في أيام موسى الهادى. ودخل عليه ابن جامع وقد نزل به الموت فقال له: ألك حاجة؟ قال: نعم لا تزد في غنائى شيئا ولا تنقص منه، فإنما هو ثمانية عشر صوتا دعه رأسا برأس. وقيل: بل كانت وفاته فجأة، وذلك أنه دعاه بعض إخوانه فأتاهم وأقام عندهم وبات؛ فأصبحوا فوجدوه ميّتا في منزلهم؛ فجاءوا إلى أمه وقالوا: يا هذه إنا دعونا ابنك لنكرمه ونسرّ به ونأنس بقربه فمات فجأة، وها نحن بين يديك، فاحكمى ما شئت، وناشدناك الله أن [لا] تعرّضينا للسلطان أو تدّعى علينا ما لم نفعله. قالت: ما كنت لأفعل، وقد صدقتم، وهكذا مات أبوه فجأة، وتوجّهت معهم فحملته إلى منزله ودفنته.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع