من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر أخبار محمد بن الأشعث
قال أبو الفرج: كان محمد بن الأشعث القرشىّ ثم الزّهرىّ كاتبا، وكان من فتيان أهل الكوفة وظرفائهم، وكان يقول الشعر ويغنّى فيه. فمن ذلك قوله فى سلّامة زرقاء ابن رامين:
أمسى لسلّامة الزرقاء فى كبدىصدع يقيم طوال الدهر والأبد
لا يستطيع صناع القوم يشعبهوكيف يشعب صدع الحبّ فى الكبد
إلّا بوصل التى من حبّها انصدعتتلك الصدوع من الأسقام والكمد
وكان ملازما لابن رامين ولجاريته سلّامة الزرقاء، فشهر بذلك، فلامه قومه فى فعله فلم يحفل بمقالتهم؛ وطال ذلك منه ومنهم، حتى رأى بعض ما يكره فى منزل ابن رامين، فمال الى سحيقة جارية زريق ابن منيح مولى عيسى بن موسى، وكان زريق شيخا كريما نبيلا، يجتمع إليه أشراف أهل الكوفة من كل حىّ، وكان الغالب على منزله رجلا من ولد القاسم بن عبد الغفار العجلىّ كغلبة محمد بن الأشعث على منزل ابن رامين؛ فتلازما على ملازمة زريق. وفى ذلك يقول محمد بن الأشعث:
يابن رامين بحت بالتصريحفى هواى سحيقة ابن منيح
قينة عفّة ومولى كريمونديم من اللّباب الصريح
ربعىّ مهذّب أريحىّيشترى الحمد بالفعال الرّبيح
نحن منه فى كل ما تشتهى الأنفس من لذّة وعيش نجيح
عند قوم من هاشم فى ذراهاوغناء من الغزال المليح
فى سرور وفى نعيم مقيمقد أمنّا من كل أمر قبيح
فاسل عنّا كما سلوناك إنّىغير سال عن ذات نفسى وروحى
حافظ منك كل ما كنت قد ضيّعت مما عصيت فيه نصيحى
فالقلى ما حييت منى لك الدهر بودّ لمنيّتى ممنوح
يابن رامين فالزمن مسجد الحىّ بطول الصلاة والتسبيح
قال عمر بن نوفل وهو راوى هذه الأبيات: فلم يدع ابن رامين شريفا بالكوفة إلا تحمّل به على ابن الأشعث وهو يأبى أن يرضى عنه وأن يعاود زيارته، حتى تحمّل عليه بالجحوانىّ، وهو محمد بن بشر بن جحوان الأسدىّ وكان يومئذ على الكوفة، فكلّمه فرضى عنه وعاد إلى زيارته، ولم يقطع منزل زريق. وقال فى سحيقة:
سحيقة أنت واحدة القيانفما لك مشبه فيهنّ ثانى
فضلت على القيان بفضل حذقفحزت على المدى قصب الرّهان
سجدن لك القيان مكفّراتكما سجد المجوس لمرزبان
ولا سيما إذا غنّت بصوتوحرّكت المثالث والمثانى
شربت الخمر حتى خلت أنىأبو قابوس أو عبد المدان
فإعمال اليسار على الملاوىومن يمناك ترجمة البيان
ولمحمد بن الأشعث أصوات له فيها غناء. منها:
رحبت بلادك يا أمامهوسلمت ما سجعت حمامه
وسقى ديارك كلماحنّت الى السّقيا غمامه
إنّى وإن أقصيتنىشفق أحبّ لك الكرامه
وأرى أمورك طاعةمفروضة حتى القيامه
وله غير ذلك من الأصوات.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع