من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر أخبار وجه القرعة
هو أبو جعفر محمد بن حمزة بن نصير الوصيف مولى المنصور، ويلقّب وجه القرعة، أحد المغنّين الحذّاق الضّرّاب الرواة. أخذ الغناء عن إبراهيم الموصلىّ وطبقته. وكان حسن الأداء طيّب الصوت لا علّة فيه، إلا أنه كان إذا غنّى الهزج خاصّة خرج لا لسبب يعرف، إلا أنه [إن] تعرّض للحنين فى جنس من الأجناس فلا يصح له البتة.
وروى أبو الفرج بسنده عن محمد الهاشمىّ أنه شهد إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ عند عمه هارون بن عيسى وعنده محمد بن الحسن بن مصعب، قال: فأتانا محمد بن
حمزة وجه القرعة، وكان شرس الأخلاق أبىّ النفس، وكان إذا سئل الغناء أباه، فإذا أمسك عنه كان هو المبتدئ به؛ فأمسكنا عنه حتى طلب العود فأتى به فغنّى:
مرّ بى سرب ظباءرائحات من قباء
زمرا نحو المصلّىيتمشّين حذائى
فتجاسرت وألقيت سرابيل الحياء
وقديما كان لهوىوفنونى بالنساء
قال: وكان يحسنه ويجيده، فجعل إسحاق يشرب ويستعيده حتى شرب ثلاثة أرطال، ثم قال: أحسنت يا غلام! هذا الغناء لى وأنت تتقدّمنى فيه! ولا يخلق الغناء ما دام مثلك ينشأ فيه.
وقال أيضا: كنا فى البستان المعروف ببستان خالص النصرانىّ ببغداد، ومعنا محمد ابن حمزة وجه القرعة وهو يغنينا:
يا دار أقفر رسمهابين المحصّب والحجون
يا بشر إنى فاعلمىوالله مجتهداً يمينى
ما إن صرمت حبالكمفصلى حبالى أو ذرينى
فإذا برجل راكب على حمار يؤمّنا وهو يصيح: أحسنت والله! فقلنا: أصعد إلينا كائنا من كنت؛ فصعد وقال: لو منعتمونى من الصعود لما امتنعت؛ ثم سفر اللثام عن وجهه فإذا هو مخارق. فقال: يا أبا جعفر، أعد علىّ صوتك فأعاده، وشرب رطلا من شرابنا وقال: لولا أنى مدعوّ الخليفة لأقمت عندكم واستمعت هذا الغناء الذى هو أحسن من النزهة غبّ المطر.
وله مع إسحاق بن إبراهيم ومخارق أخبار شهدا له فيها بحسن الصنعة؛ وكفاه ذلك فضلا فى صناعته.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع