من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر شىء من الأقوال الصادرة عن الخلفاء والملوك الدالّة على عظم هممهم، وكرم أخلاقهم وشيمهم، وشدّة كيدهم، وقوّة أيدهم
قيل للإسكندر وهو يحارب دارا: إن دارا فى ثمانين ألفا؛ فقال: إن القصّاب لا يهوله كثرة الغنم.
واصطنع أنو شروان رجلا؛ فقيل له: إنه لا قديم له؛ فقال: اصطناعنا إيّاه بيته وشرفه. ولما رهن حاجب ابن زرارة قوسه عند كسرى [قال]: لولا أنهم عندى أقلّ من القوس لم أقبلها.
قال النّعمان بن المنذر
يعفو الملوك عن الكثير من الذنوب لفضلها
ولقد تعاقب فى اليسير وليس ذاك لجهلها
لكن ليرجى عفوهاويخاف شدّة نكلها
ومن كلام معاوية: نحن الزمان، من رفعناه ارتفع، ومن وضعناه اتّضع. وكان يقول: إنى لآنف أن يكون فى الأرض جهل لا يسعه حلمى، وذنب لا يسعه
عفوى، وحاجة لا يسعها جودى. وقال معاوية أيضا: إنى لأرفع نفسى أن يكون ذنب أوسع من حلمى، وما غضبى على من أملك، أو ما غضبى على من لا أملك! يريد: إنى إذا كنت مالكا للمذنب فإنى قادر على الانتقام منه، فلم ألزم نفسى الغضب! وإن لم أكن أملكه فليس يضرّه غضبى، فلم أغضب عليه فأضرّ نفسى ولا أضرّه! ومن كلام السّفّاح: ما أقبح بنا أن تكون الدنيا لنا وأولياؤنا خالون من حسن آثارنا!. ومن كلام المأمون: إنما تطلب الدنيا لتملك، فإذا ملكت فلتوهب. وكان يقول: إنما يستكثر من الذهب والفضّة من يقلّان عنده.
ومن كلام العبّاس بن محمد للرشيد: إنما هو درهمك وسيفك، فازرع بهذا من شكرك، واحصد بهذا من كفرك؛ فقال: يا عمّ، والله ما للملك غير هذا. كما قيل:
لم أر شيئا صادقا نفعهللمرء كالدرهم والسيف
يقضى له الدرهم حاجاتهوالسيف يحميه من الحيف
قيل: لمّا أشير على الإسكندر بتبييت الفرس قال: لا أجعل غلبتى سرقة.
وقيل [له]: لو تزوّجت ببنت دارا! فقال: لا تغلبنى امرأة غلبت أباها.
ومن كلام أنوشروان: إن الملك إذا كثرت أمواله مما يأخذ من رعيّته كان كمن يعمر سطح بيته مما يقتلع من قواعد بنيانه. وكان يقول: وجدنا للذّة العفو ما لم نجد للذّة العقوبة.
ومن كلام المنصور: يحتمل الملوك كلّ شىء إلا ثلاثة: القدح فى الملك، وإفشاء السرّ، والتعرّض للحرم.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع