من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وأما ما قيل فى حسن الخطّ وجودة الكتابة ومدح الكتّاب والكتاب
قال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: الخط الحسن يزيد الحقّ وضوحا.
وقال: حسن الخطّ إحدى البلاغتين.
وقال عبيد الله بن العباس: الخط لسان اليد. وقال جعفر بن يحيى: الخطّ سمط الحكمة، به تفصّل شذورها، وينتظم منثورها؛ وقال أبو هلال العسكرىّ:
الكتب عقل شوارد الكلموالخطّ خيط فى يد الحكم
والخطّ نظّم كلّ منتثرمنها وفصّل كلّ منتظم
والسيف وهو بحيث تعرفهفرض عليه عبادة القلم
وقد اختلف الناس فى الخطّ واللفظ، فقال بعضهم: الخطّ أفضل من اللفظ لأن اللفظ يفهم الحاضر، والخطّ يفهم الحاضر والغائب.
قالوا: ومن أعاجيب الخطّ كثرة اختلافه والأصل فيه واحد، كاختلاف صور الناس مع اجتماعهم فى الصبغة. قال الصّولى: سئل بعض الكتاب عن الخطّ متى
يستحقّ أن يوصف بالجودة؟ قال: اذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفه ولامه؛ واستقامت سطوره، وضاهى سعوده حدوره؛ وتفتّحت عيونه، ولم تشتبه راؤه ونونه؛ وأشرق قرطاسه، وأظلمت أنقاسه، ولم تختلف أجناسه؛ وأسرع الى العيون تصوّره، والى القلوب ثمره؛ وقدّرت فصوله، [واندمجت وصوله، وتناسب دقيقه وجليله]؛ وتساوت أطنابه، واستدارت أهدابه؛ وخرج عن [نمط الورّاقين]، وبعد عن تصنّع المحرّرين؛ [وقام لكاتبه مقام النسبة والحلية] وكان حينئذ كما قلت فى صفة الخطّ:
اذا ما تخلّل قرطاسهوساوره القلم الأرقش
تضمّن من خطّه حلّةكمثل الدنانير أو أنقش
حروف تكون لعين الكليلنشاطا ويقرؤها الأخفش
وقال ابن المعتزّ:
إذا أخذ القرطاس خلت يمينهتفتّح نورا أو تنظّم جوهرا
وقيل لبعضهم: كيف رأيت ابراهيم الصّولىّ؟ فقال:
يؤلّف اللّؤلؤ المنثور منطقهوينظم الدرّ بالأقلام فى الكتب
وقال آخر:
أضحكت قرطاسك عن جنّةأشجارها من حكم مثمره
مسودّة سطحا ومبيضّةأرضا كمثل الليلة المقمره
وقال آخر:
كتبت فلولا أن هذا محلّلوذاك حرام قست خطّك بالسحر
فو الله ما أدرى أزهر خميلةبطرسك أم درّ يلوح على نحر
فان كان زهرا فهو صنع سحابةوإن كان درّا فهو من لجج البحر
وقال آخر:
وكاتب يرقم فى طرسهروضا به ترتع ألحاظه
فالدرّ ما تنظم أقلامهوالسحر ما تنثر ألفاظه
وقال آخر:
وشاذن من بنى الكتّاب مقتدرعلى البلاغة أحلى الناس إنشاء
فلا يجاريه فى ميدانه أحديريك سحبان فى الإنشاء إن شاء
وقال آخر:
إن هزّ أقلامه يوما ليعملهاأنساك كلّ كمىّ هزّ عامله
وإن أمرّ على رقّ أناملهأقرّ بالرّق كتّاب الأنام له
وقال أبو الفتح كشاجم:
واذا نمنمت بنانك خطّامعربا عن بلاغة وسداد
عجب الناس من بياض معانتجتنى من سواد ذاك المداد
وقال الممشوق الشامىّ شاعر اليتيمة:
لا يخطر الفكر فى كتابتهكأنّ أقلامه لها خاطر
القول والفعل يجريان معالا أوّل فيهما ولا آخر
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: الكتاب نعم الذّخر والعقدة، ونعم الجليس والعمدة، ونعم النّشرة والنّزهة، ونعم المستغلّ والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدّخيل، والوزير والنّزيل؛ والكتاب وعاء ملئ علما، وظرف حشى ظرفا، وإناء شحن مزاحا وجدّا، إن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت كان أعيا من باقل، وإن شئت ضحكت من نوادره وعجبت من غرائب فوائده، وإن شئت ألهتك نوادره، وإن شئت شجتك مواعظه ومن لك بواعظ مله، وبزاجر مغر، وبناسك فاتك، وناطق أخرس، وببارد حارّ ومن لك بطبيب أعرابىّ، وبرومىّ هندىّ، وفارسىّ يونانىّ، وبقديم مولّد، وبميت ممتع، ومن لك بشىء يجمع لك الأوّل والآخر، والناقص والوافر، والشاهد والغائب
والرفيع والوضيع، والغثّ والسمين، والشكل وخلافه، والجنس وضدّه؛ وبعد: فمتى رأيت بستانا يحمل فى ردن ؟ وروضة تقلّب فى حجر؟ ينطق عن الموتى، ويترجم كلام الأحيا، ومن لك بمؤنس لا ينام إلّا بنومك، ولا ينطق إلّا بما تهوى، «آمن من الأرض» وأكتم للسر من صاحب السرّ، وأضبط لحفظ الوديعة من أرباب الوديعة، وأحضر لما استحفظ من الأمّيين، ومن الأعراب المعربين، بل من الصّبيان قبل اعتراض الأشغال، ومن العميان قبل التمتّع بتمييز الأشخاص، حين العناية تامة لم تنتقص والأذهان فارغة لم تقتسم، والإرادات وافرة لم تستعتب، والطينة لينة فهى أقبل ما تكون للطابع، والقضيب رطب فهو أقرب ما يكون للعلوق، حين هذه الخصال لم يلبس جديدها، ولم تتفرّق قواها، وكانت كقول الشاعر:
أتانى هواها قبل أن أعرف الهوىفصادف قلبى فارغا فتمكّنا
وقال ذو الرمّة لعيسى بن عمر: اكتب شعرى، فالكتاب أعجب إلى من الحفظ لأن الأعرابىّ ينسى الكلمة قد تعب فى طلبها يوما أو ليلة، فيضع موضعها كلمة فى وزنها لم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدّل كلاما بكلام. قال: ولا أعلم جارا أبرّ، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا معلّما أخضع، ولا صاحبا أظهر كفاية، ولا أقلّ خيانة، ولا أقلّ إبراما وإملالا، ولا أقل خلافا وإجراما ولا أقلّ غيبة، ولا أكثر أعجوبة وتصرّفا، ولا أقلّ صلفا وتكلّفا، ولا أبعد من مراء، ولا أترك لشغب، ولا أزهد فى جدال، ولا أكفّ عن قتال من كتاب؛ ولا أعلم شجرة أطول عمرا، ولا أجمع أمرا، ولا أطيب ثمرة، ولا أقرب مجتنى
ولا أسرع إدراكا، ولا أوجد فى كل إبان من كتاب؛ ولا أعلم نتاجا فى حداثة سنة وقرب ميلاده، وحضور ذهنه، وإمكان موجوده، يجمع من التدابير العجيبة، والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأذهان اللطيفة، ومن الأخبار عن القرون الماضية، والبلاد المتراخية، والأمثال السائرة، والأمم البائدة ما يجمع الكتاب؛ وقد قال الله تبارك اسمه لنبيه ﷺ: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
فوصف نفسه تعالى جدّه بأن علّم بالقلم، كما وصف به نفسه بالكرم، واعتد بذلك من نعمه العظام، وفى أياديه الجسام.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع