تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

وأما الببّغاء وما قيل فيها

- والببّغاء طائر هندىّ، وحبشىّ. حسن الخلق، دمث الخلق، ثاقب الفهم، له قوّة على حكاية الأصوات بالتلقين والتعليم؛ تتخذه الملوك وأكابر الناس فى منازلهم. وفى لونه الأخضر والأغير والأسود والأحمر

والأصفر والأبيض. وهذه الألوان كلّها قليلة نادرة الوجود إلّا الأخضر والأغبر.

وقد شاهدت أنا بالقاهرة المعزّيّة درّة بيضاء. وحكى أنه أهدى إلى معزّ الدولة ابن بويه ببغداد هديّة من اليمن كان فيها ببّغاء بيضاء، سوداء المنقار والرجلين، وعلى رأسها ذؤابة فستقيّة. وهذا الطائر يتناول الطّعم برجله. وله منقار معقّف قصير يكسر به ما صلب وينقب به ما تعسّر نقبه. وهو فى مأكله ومشربه كالإنسان التّرف الظريف. والناس يحتالون على تلقينه بأن ينصبوا تجاهه مرآة يرى خياله فيها ويتكلّم الإنسان من ورائها، فيتوهّم الطائر أنّ خياله فى المرآة هو المتكلّم فيأخذ نفسه بحكاية ما يسمعه من ذلك الصوت.

وقال المولى تاج الدين عبد الباقى اليمانىّ ﵀ فيها ملغزا:

يا سيّدا أبدع فى المقالويا رئيسا فاق فى المعالى
ما حيوان مشبه الإنسانمرتّل الآيات فى القرآن
ذو مبسم صيغ من النّضارومقلة قد ركّبت من قار
ومخلب يكسّر الصّليباومنطق يفاخر الخطيبا
ذو حلّة بنديّة البرودمنسوجة من أخضر البنود
كروضة قد أينعت أزهارهاوأدهشتنا بالغنا أطيارها
قد جمعت فى ذاته ألوانكأنّه فى خلقه بستان
فذاته من ناصع الزّبرجدونوره مركّب من عسجد
وتارة يبصر من أقاحىخلقته فى سائر النواحى
وعرفه من خالص المدادونطقه مستحكم الإيراد
يأكل بالكفّ خلاف الطيرويغتدى وهو قدير السّير
إن لقط الحبّ لدى تفريقهرأيت درّا جال فى عقيقه
يحفظ بيت المرء فى المغيبويغتدى كالحارس المرهوب
سميّه فى أسفل البحارمستودع فى آخر التيّار
إليه يعزى الشاعر المجيدوالكاتب النّحرير والمجيد
فاكشف معمّى ما لغزت يا إمامواسلم على مرّ الدهور فى الدّوام

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.