تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر خبر وفد عاد إلى الحرم يستسقون لهم

قال وهب: فجمعوا الهدايا، واختاروا سبعين رجلا من أشرافهم، وجعلوا لكلّ عشرة منهم رئيسا، من جملتهم مرثد المؤمن؛ فسار وهو يدعو عليهم؛ فلما أشرفوا على الحرم إذا بهاتف يقول:

قبّح الله قوم عاد وذلّواإنّ عادا أشرّ أهل الجحيم
سيّروا الوفد كى يسقوا غياثافسيسقون من شراب الحميم

فدخلوا الحرم والملك يومئذ معاوية بن بكر، وكانوا أخواله، فسألهم عما جاء بهم فأخبروه بخبر هود وبما حلّ بعاد، وأنّهم قد لجأوا إلى الحرم للاستسقاء؛ فأنزلهم معاوية فى منزل الضيافة، وأطعمهم وسقاهم شهرا؛ فشغلهم اللهو عن الاستسقاء؛ فبلغ الملك (الخلجان) ذلك، فبعث إلى معاوية يسأله أن يأمرهم بالاستسقاء، فكره مواجهتهم بذلك فيقولون: «قد تبرّم بضيافتنا» فدعا بالجرادتين- وهما قينتان لمعاوية- فقال لهما: إذا شرب القوم ودبّ فيهم الشراب فغنيّاهم بهذه الأبيات، وهى:

بأبى من خلق الخلق بنى سام وحام
سادة سادوا جميع الخلق فى الخلق التّمام
نصب الدهر عليهمحربه دون الأنام
فسقى الله بنى عاد من الصّوب الغمام

فأجابهما رجل من الوفد يقال له الجعد بن القيل:

علّلينا- زانك اللّهـ- بأكواب المدام
وبماء فامزجيهاتستريحى من ملام

فلما لم يكترثوا بالصوت الأوّل قالت:

ألا يا قيل ويحك قم فهينملعلّ الله يمنحكم غماما
غماما صوبها هطل مغيثيروّى السّهل طرّا والإكاما
من العطش الشديد فليس نرجوبها الشيخ الكبير ولا الغلاما
وقد كانت نساؤهم بخيرفقد أمست نساؤهم عياما
وأنّ الوحش تأتيهم جهاراولا تخشى لعادىّ سهاما
وأنتم هاهنا فيما اشتهيتمنهاركم وليلكم التّماما
فقبّح وفدكم من وفد قومولا لقوا التحيّة والسلاما
أفيقوا أيّها الوفد السّكارىلقومكم فقد أضحوا هياما
فقد طال المقام على سرورألا يا قيل ويك ذر المداما

قال: فانتبه الناس وقاموا فاغتسلوا ولبسوا ثيابا جددا، وكسوا البيت بالكسوة التى حملوها له؛ فجعل ينفضها؛ فقال مرثد: يا قوم، إنّ ربّ هذا البيت لا يقبل الهديّة إلّا من مؤمن، فهل لكم أن تؤمنوا بهود؟ فقالوا: يا مرثد:

إنّ كلامك يدلّ على إيمانك به، ونحن لا نؤمن به أبدا.

فأنشأ يقول:

أرى عادا تمادى في ضلالوقد عدلوا عن الأمر الرشيد
بما كفرت بربّهم جهاراوحادوا رغبة عن دين هود

فاجتمعوا يستسقون، فقال واحد منهم:

يا ربّ عاد اسقينّ عاداإنّك حقّا ترحم العبادا
فاسق البساتين وذى البلاداأجواد غيث تتبع العهادا

وجعل كلّ واحد منهم يتكلّم بما حضره من ذلك. ثم تكلّم مرثد بن سعد- وهو المؤمن الّذى يكتم إيمانه- وقال: اللهمّ إنا لم نأتك إلى حرمك إلّا لأرض تسقيها، أو أمّة تحييها.

فأوحى الله إلى ملك السحاب أن ينشر لهم ثلاث غمامات: بيضاء وحمراء وسوداء؛ وجعل السوداء مشوبة بغضبه، فارتفعت البيضاء، وتبعتها الحمراء خلفهما السوداء، فارتفعت حتى رأى الوفد جميع الغمامات؛ ففرحوا واستبشروا ثم نودوا: يا قيل، اختر لقومك من هذه السحائب. فنظر فقال: أمّا البيضاء فإنها جهام لا ماء فيها؛ وأمّا الحمراء فإنها إعصار ريح. فاختار السوداء. فنودى:

يا قيل، اخترت رمادا أرمدا، لا يبقى من قوم عاد أحدا، إلا تراهم فى الديار همّدا.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.