تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر خبر يوسف وزليخا

قال: ولمّا رأته زليخا عجبت لحسنه، ولا طفته، وقالت: لا ينبغى لمثلك أن يباع عبدا. ويوسف ساكت؛ وكان لا يأكل من ذبائحهم، فقالت له: لم لا تأكل من ذبيحتنا وتقبل كرامتنا ولى هذا البستان أريد أن تحفظه. فقال يوسف: أفعل ذلك. فكان يوسف يتعاهده حتى عمر ببركته، وهو يأكل من نباته، فوقعت محبّته فى قلب زليخا، فكتمت ذلك حتى كاد يظهر عليها، فأتتها دايتها، وقالت: يا سيدة نساء مصر، اخبرينى بقصّتك. فذكرت ما بها من حبّ يوسف؛ فأمرتها أن تتزيّن بأحسن زينتها؛ ففعلت، وجلست على سرير وأحضرت يوسف، فوقف بين يديها وهو لا يعلم ما يراد منه؛ وأغلقت الداية أبواب المجلس من خارج؛ فعلم عند ذلك مراد زليخا- وكان عمره ثمان عشرة سنة-؛ قال

الله تعالى: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ.

قال: فرمت بتاجها وهمت به. قال الله تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ.

قالوا: همّ بضربها. وقيل: بردعها. وقيل: لما حصل عنده من الهمّ.

ولا تعويل على ما نقله أهل التاريخ: أنّه همّ بها كما همّت به.

قالوا: وكان البرهان الذى رآه أنه سمع صوتا من ورائه، فالتفت، فرأى صورة يعقوب وهو عاضّ على يديه يقول: «الله الله يا يوسف».

وقيل: خرجت كفّ من الحائط مكتوب عليها: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ

؛ ثم انصرفت الكفّ وعادت زليخا لمراودته، فخرجت الكف ثانية مكتوب عليها: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ

ثم عادت فخرجت الكف ثالثة وعليها مكتوب: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ.

قال: فلمّا نظر يوسف إلى البرهان، بادر إلى الباب؛ فعدت زليخا خلفه فلحقته عند الباب، فجذبت قميصه فقدّته من دبر؛ وإذا قطفير قد أقبل. قال الله تعالى: وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ.

قال: فلمّا نظرت زليخا إليه لطمت وجهها، وقالت: أيّها العزيز، هذا يوسف الّذى اتخذناه ولدا دخل يراودنى عن نفسى.

ثم قالت: ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي

فهمّ قطفير أن يضرب يوسف بسيف، فأنجاه الله منه؛

وكان فى المجلس صغير ابن شهرين- وهو ابن داية زليخا- فتكلّم بإذن الله وقال: لا تعجل يا قطفير، أنا سمعت تخريق الثوب. قال الله تعالى: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ

ثم لم ينطق الصبىّ بعد ذلك حتى بلغ حدّ النطق، وهذا الصبىّ أحد من تكلّم فى المهد. فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ

؛ وأقبل على يوسف وقال: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا

الحديث لا يسمعه أحد. وقال لزليخا: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ.

وخرج قطفير من منزله، وعادت زليخا لمراودته؛ فامتنع عليها.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.