من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
يوم الظعينة بين دريد بن الصّمّة وربيعة بن مكدّم
قال أبو حانم عن أبى عبيدة قال: خرج دريد بن الصّمّة فى فوارس من بنى جشم حتى إذا كانوا فى واد يقال له: الأخرم، وهم يريدون الغارة على بنى كنانة، إذ رفع له رجل فى ناحية الوادى ومعه ظعينة، فلمّا نظر اليه قال لفارس من أصحابه:
صح به: خلّ الظّعينة وانج بنفسك، فانتهى اليه الفارس، فصاح به وألحّ عليه، فألقى زمام الراحلة وقال للظعينة:
سيرى على رسلك سير الآمنسير رداح ذات جأش ساكن
إنّ انثنائى دون قرنى شائنىأبلى بلائى واخبرى وعايتى
ثم حمل عليه فصرعه وأخذ فرسه وأعطاه للظّعينة، فبعث دريد فارسا آخر لينظر ما صنع صاحبه، فلمّا انتهى اليه ورآه صريعا صاح به فتصامّ عنه، فظنّ أنه لم يسمع، فغشيه، فألقى زمام الراحلة إلى الظّعينة ورجع وهو يقول:
خلّ سبيل الحرّة المنيعهإنّك لاق دونها ربيعه
فى كفّه خطّية مطيعهأولا فخذها طعنة سريعه
والطّعن منّ فى الوغى شريعه
ثم حمل عليه فصرعه، فلمّا أبطأ على دريد بعث فارسا [ثالثا] لينظر ما صنعا، فلما انتهى إليهما رآهما صريعين ونظر إليه يقود ظعينته ويجرّ رمحه. فقال له:
خلّ سبيل الظّعينة، فقال للظعينة: اقصدى قصد البيوت، ثم أقبل عليه فقال:
ماذا تريد من شتيم عابسألم تر الفارس بعد الفارس
أرداهما عامل رمح يابس
ثم حمل عليه فصرعه وانكسر رمحه، وارتاب دريد وظنّ أنهم قد أخذوا الظّعينة وقتلوا الرجل، فلحق ربيعة وقد دنا من الحىّ، فوجد أصحابه قد قتلوا، فقال:
أيها الفارس، إنّ مثلك لا يقتل، ولا أرى معك رمحا والخيل ثائرة بأصحابها، فدونك هذا الرّمح فإنّى منصرف إلى أصحابى فمثبّطهم عنك، فانصرف دريد وقال لأصحابه:
إنّ فارس الظّعينة قد حماها وقتل فرسانكم وانتزع رمحى، ولا مطمع لكم فيه فانصرفوا، فانصرف القوم، فقال دريد:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثلهحامى الظّعينة فارسا لم يقتل
أردى فوارس لم يكونوا نهزةثم استمرّ كأنه لم يفعل
متهلّلا تبدو أسرّة وجههمثل الحسام جلته كفّ الصّيقل
يزجى ظعينته ويسحب رمحهمتوجّها يمناه نحو المنزل
وترى الفوارس من مخافة رمحهمثل البغاث خشين وقع الأجدل
يا ليت شعرى من أبوه وأمّهيا صاح من يك مثله لا يجهل
وقال ربيعة بن مكدّم:
إن كان ينفعك اليقين فسائلىعنّى الظعينة يوم وادى الأخرم
إذ هى لأوّل من أتاها نهبةلولا طعان ربيعة بن مكدّم
إذ قال لى أدنى الفوارس ميتةخلّ الظّعينة طائعا لا تندم
فصرفت راحلة الظّعينة نحوهعمدا ليعلم بعض ما لم يعلم
وهتكت بالرّمح الطويل إهابهفهوى صريعا لليدين وللفم
ومنحت آخر بعده جيّاشةنجلاء فاغرة كشدق الأضجم
ولقد شفعتهما بآخر ثالثوأبى الفرار لى الغداة تكّرمى
ثم لم تلبث بنو كنانة أن أغارت على بنى جشم، فقتلوا وأسروا دريد بن الصّمّة فأخفى نفسه، فبينما هو عندهم محبوس إذ جاءه نسوة تتهادين إليه، فصرخت إحداهنّ وقالت: هلكتم وأهلكتم! ماذا جرّ علينا قومنا! هذا والله الذى أعطى ربيعة رمحه يوم الظّعينة! ثم ألقت عليه ثوبها وقالت: يا آل فراس، أنا جارة له منكم، هذا صاحبنا يوم الوادى! فسألوه: من هو؟ فقال: أنا دريد بن الصّمّة فمن صاحبى؟ قالوا: ربيعة بن مكدّم، قال: فما فعل؟ قالوا: قتلته بنو سليم! قال: فما فعلت الظّعينة؟ قالت المرأة: أنا هيه، وأنا امرأته، فحبسه القوم وآمروا أنفسهم، فقال بعضهم: لا ينبغى لدريد أن تكفر نعمته على صاحبنا! وقال آخرون:
والله لا يخرج من أيدينا إلّا برضا المخارق الذى أسره، فانبعثت المرأة فى الليل، وهى ريطة بنت جذل الطّعان، تقول:
سنجزى دريدا عن ربيعة نعمةوكلّ امرئ يجزى بما كان قدّما
فإن كان خيرا كان خيرا جزاؤهوإن كان شرّا كان شرّا مذمّما
سنجزيه نعمى لم تكن بصغيرةبإعطائه الرّمح الطويل المقوّما
[فقد أدركت كفّاه فينا جزاءهوأهل بأن يجزى الذى كان أنعما]
فلا تكفروه حقّ نعماه فيكمولا تركبوا تلك التى تملأ الفما
فلو كان حيّا لم يضق بثوابهذراعا غنيا كان أو كان معدما
[ففكّوا دريدا من إسار مخارقولا تجعلوا البؤسى إلى الشّرّ سلّما]
فلما أصبحوا أطلقوه، فكسته وجهّزته ولحق بقومه، فلم يزل كافّا عن غزو بنى فراس حتى هلك.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع