تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر رجوع أهل هذه الهجرة إلى مكّة، وما قيل فى سبب رجوعهم

قال محمد بن سعد عن محمد بن عمر بن واقد بسند يرفعه: لمّا رأى رسول الله ﷺ من قومه كفّا عنه، جلس خاليا، فتمنّى فقال: ليته لا ينزل علىّ شىء ينفّرهم عنى، وقارب رسول الله صلى الله [عليه وسلم] قومه ودنا منهم ودنوا منه، فجلس يوما مجلسا فى ناد من تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم:

(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى)

حتى بلغ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى)

ألقى الشيطان على لسانه كلمتين: «تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى» ولما بلغ «الغرانيق العلا»، وفى أخرى: «والغرانقة العلا، تلك الشفاعة ترتجى»

قال الواقدىّ: فتكلّم رسول الله ﷺ بهما، ثم مضى فقرأ السورة كلّها، وسجد وسجد القوم جميعا، ورفع المغيرة بن الوليد ترابا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود. ويقال: إن أبا أحيحة سعيد بن العاص أخذ ترابا فسجد عليه، ورفعه إلى جبهته- وكان شيخا كبيرا- فرضوا بما تكلّم به رسول الله ﷺ، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيى ويميت ويخلق ويرزق، ولكنّ آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فأمّا إذ جعلت لها نصيبا عندك فنحن معك، فكبر ذلك على رسول الله ﷺ من قولهم حتى جلس فى البيت فلمّا أمسى أتاه جبريل فعرض عليه السورة، فقال جبريل: ما جئتك بهاتين الكلمتين، فقال رسول الله ﷺ: «قلت على الله ما لم يقل».

فأوحى الله إليه: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا)

، إلى قوله: (ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً).

وقال: ففشت تلك السّجدة فى الناس حتى بلغت أرض الحبشة، فبلغ أصحاب رسول الله ﷺ أن أهل مكّة قد سجدوا فأسلموا، حتى إن الوليد ابن المغيرة وأبا أحيحة قد سجدا خلف النبىّ ﷺ، فقال القوم:

فمن بقى بمكّة إذا أسلم هؤلاء! قالوا: عشائرنا أحبّ إلينا؛ فخرجوا راجعين، حتى إذا كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركبا من كنانة، فسألو لهم عن قريش

وعن حالهم، فقال الركب: ذكر محمد آلهتهم بخير، فتابعه الملأ، ثم ارتدّ عنها، فعاد يشتم آلهتهم، وعادوا له بالشر، فتركناهم على ذلك، فائتمر القوم فى الرجوع إلى أرض الحبشة، ثم قالوا: قد بلغنا، ندخل فننظر ما فيه قريش، ويحدث عهدا من أراد بأهله، ثم نرجع. قال: فدخلوا مكة، ولم يدخل أحد منهم إلا بجوار، إلا ابن مسعود فإنه مكث يسيرا، ثم رجع إلى أرض الحبشة. قال الواقدىّ: فكان خروجهم فى شهر رجب سنة خمس (يريد من النبوّة)، فأقاموا شعبان ورمضان وقدموا فى شوال من السنة.

وحيث ذكرنا هذا الحديث فلنذكر ما جاء فى توهينه.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.