من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ابتداء هجرة رسول الله ﷺ وأبى بكر رضى الله عنه
قال محمد بن إسحاق: لمّا هاجر أصحاب رسول الله ﷺ إلى المدينة، أقام هو بمكة بعدهم ينتظر الإذن من الله تعالى فى الهجرة، ولم يتخلف معه بمكة إلا أبو بكر الصديق، وعلىّ بن أبى طالب رضى الله عنهما، ومن حبس أو فتن. وكان أبو بكر يستأذن رسول الله ﷺ فى الهجرة كثيرا فيقول له: «لا تعجل لعلّ الله أن يجعل لك صاحبا»، فيطمع أبو بكر أن يكون رسول الله ﷺ إنما يعنى نفسه.
وروى عن عائشة أم المؤمنين بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنهما أنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله ﷺ أن يأتى بيت أبى بكر أحد طرفى النهار إما بكرة وإما عشية، [حتى] إذا كان اليوم الذى أذن الله تعالى فيه لرسوله فى الهجرة والخروج من مكة أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة فى ساعة كان لا يأتى فيها. قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله ﷺ هذه الساعة إلا لأمر حدث، فلما دخل تأخر أبو بكر عن سريره،
فجلس رسول الله ﷺ، وليس عند أبى بكر إلا أنا وأختى أسماء، فقال رسول الله ﷺ: «أخرج عنّى من عندك» قال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاى، وما ذاك فداك أبى وأمى؟ قال: «إن الله أذن لى فى الخروج».
فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله! قال: «الصحبة». قالت: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكى من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكى يومئذ، ثم قال: يا نبىّ الله، إن هاتين راحلتان كنت أعددتهما لهذا. فاستأجرا عبد الله بن أرقط- وقيل: الأريقط- الليثى وكان مشركا، يدلّهما على الطريق، ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما. قال ابن إسحاق: ولم يعلم بخروج رسول الله ﷺ أحد حين خرج إلا أبو بكر وآل أبى بكر، وعلى بن أبى طالب، أخبره رسول الله ﷺ بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده، حتى يؤدى عن رسول الله ﷺ الودائع التى كانت عنده للناس.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع