من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر خبر الغار وما قيل فيه
قال: لما أجمع رسول الله ﷺ الخروج أتى أبا بكر فخرجا من خوخة لأبى بكر فى ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بثور- جبل بأسفل مكة- فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمّع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون فى ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى فى الغار، وكانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما.
قال ابن هشام: حدّثنى بعض أهل العلم أن الحسن بن أبى الحسن قال:
لما انتهى رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى الغار ليلا دخل أبو بكر قبل
رسول الله ﷺ يلتمس الغار لينظر أفيه سبع أو حيّة بقى رسول الله ﷺ بنفسه.
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﷺ ثلاثا، ومعه أبو بكر، وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن يردّه عليهم. وكان عبد الله بن أبى بكر يكون فى قريش يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون فى شأن النبىّ ﷺ وأبى بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر، وكان عامر بن فهيرة مولى أبى بكر يرعى فى رعاء من أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبى بكر فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبى بكر من عندهما إلى مكة أتبع عامر بن فهيرة أثره الغنم حتى يعفّى عليه.
وقال محمد بن سعد بسنده إلى زيد بن أرقم وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة رضى الله عنهم: إن النبىّ ﷺ ليلة الغار أمر الله شجرة فنبتت فى وجه النبىّ ﷺ فسترته، وأمر العنكبوت فنسجت على وجهه فسترته، وأمر حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل بأسيافهم وعصيّهم وهراواتهم حتى إذا كانوا من النبى ﷺ قدر أربعين ذراعا، نظر أوّلهم فرأى الحمامتين فرجع فقال له أصحابه: مالك لم تنظر فى الغار؟ قال: رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار، فعرفت أن ليس فيه أحد.
فسمع رسول الله ﷺ قوله، فعرف أن الله ﷿ درأ عنه بهما.
وقال بعض من حضر فى طلبه: إن عليه من العنكبوت ما هو قبل ميلاد محمد.
وقال أبو بكر رضى الله عنه: فنظرت إلى أقدام المشركين ونحن فى الغار وهم على رءوسنا فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا، فقال:
«يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين الله ثالثهما» ! قال: ومكثا فى الغار ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبى بكر.
قال محمد بن سعد: قالت عائشة رضى الله عنها: وجهزناهما أحبّ الجهاز، وصنعنا لهما سفرة فى جراب، فقطعت أسماء قطعة من نطاقها فأوكأت به الجراب، وقطعة أخرى صيرتها عصاما لفم القربة؛ فلذلك سميت أسماء ذات النّطاقين.
قال محمد بن سعد بسند يرفعه إلى أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما أنها قالت:
لما خرج رسول الله ﷺ وخرج أبو بكر معه احتمل ماله كلّه معه،- خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف- فانطلق بها معه، فدخل علينا جدّى أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إنى لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قال فقلت:
كلّا يا أبت، إنه ترك لنا خيرا كثيرا. قالت أسماء: فأخذت أحجارا فوضعتها فى كوّة البيت حيث كان أبى يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده فقلت: ضع يا أبت يدك على هذا المال، فوضع يده عليه وقال: لا بأس إن كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفى هذا بلاغ لكم؛ فلا والله ما ترك لنا شيئا، ولكنى أردت أن أسكّن الشيخ بذلك. والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع