من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر خبر أبى العاص بن الربيع فى فدائه
وإرساله زينب بنت رسول الله ﷺ من مكّة إلى المدينة وإسلامه بعد ذلك، وردّ زينب عليه بغير نكاح جديد.
قال ابن إسحاق: وكان فى الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزّى ابن عبد شمس، ختن رسول الله ﷺ، وزوج ابنته زينب. أسره خراش بن الصّمة، أحد بنى حرام.
وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة، وكان لهالة بنت خويلد أخت خديجة، فسألت خديجة رسول الله ﷺ أن يزوجه زينب، فزوجه بها، وذلك قبل أن ينزل الوحى على رسول الله، ﷺ، فكان معها وهو على شركه وهى مسلمة.
فلما بعث أهل مكة فى فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ فى فداء أبى العاص [بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبى العاص] فلما رآها رسول الله ﷺ رقّ لها رقّة شديدة وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها [مالها] فافعلوا». قالوا: نعم يا رسول الله. فأطلقوه وردّوا عليها الذى بعثت به، وأخذ رسول الله ﷺ عليه أن يخلّى سبيل زينب، ولم يظهر ذلك، ثم بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار، فقال: «كونا ببطن يأجج حتى تمرّ بكما زينب، فتصحباها حتى تأتيانى بها». فخرجا وذلك بعد بدر بشهر، فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها، فتجهّزت لذلك، وقدّم لها حموها كنانة بن الربيع أخو زوجها بعيرا فركبته، وأخذ قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهارا يقود بها، وهى فى هودج لها، وتحدّث بذلك رجال قريش، فخرجوا فى طلبها، حتى أدركوها بذى طوى، فكان أوّل من سبق إليها هبّار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزّى الفهرىّ، فروّعها بالرمح وهى فى هودجها، وكانت حاملا فطرحت، فنثر حموها كنانته ثم قال: والله لا يدنو منى
رجل إلا وضعت فيه سهما، فتكركر الناس عنه. ثم جاء أبو سفيان بن حرب فى جلّة [من] قريش فقال: أيها الرجل، كفّ عنا نبلك حتى نكلّمك. فكفّ، فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال: إنك لم تصب، خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذا خرجت له ببنته علانية على رءوس الناس من بين أظهرنا أن ذلك على ذلّ أصابنا عن مصيبتنا التى كانت، وأن ذلك منا ضعف ووهن، ولعمرى ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة، وما لنا فى ذلك من ثؤرة، ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الأصوات وتحدّث الناس أن قد رددناها فسلّها سرا وألحقها بأبيها. قال: ففعل.
فأقامت ليالى حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها على رسول الله ﷺ، فأقامت عنده بالمدينة وفرّق بينهما الإسلام، حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام- وكان رجلا مأمونا- بمال له وأموال رجال من قريش، فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا لقيته سريّة لرسول الله ﷺ فأصابوا ما معه وأعجزهم هاربا، فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله أقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله ﷺ فاستجار بها، فأجارته، وجاء فى طلب ماله، فلما خرج رسول الله ﷺ لصلاة الصبح وكبّر وكبر الناس معه خرجت زينب من صفّة النساء [وقالت]: أيها الناس، إنى قد أجرت أبا العاص ابن الربيع. فلمّا سلّم رسول الله ﷺ من الصلاة أقبل على الناس فقال:
«أيها الناس، هل سمعتم ما سمعت» ؟ فقالوا: نعم، قال: «أما والذى نفس محمد بيده
ما علمت بشىء حتى سمعت ما سمعتم، إنه يجير على المسلمين أدناهم». ثم انصرف رسول الله ﷺ ودخل على ابنته وقال: «أى بنيّة، أكرمى مثواه، ولا يخلص إليك فإنك لا تحلّين له».
قال: وبعث رسول الله ﷺ إلى السريّة الذين أصابوا مال أبى العاص فقال لهم: «إن هذا الرجل منّا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالا، فإن تحسنوا وتردّوا عليه الذى له فإنّا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فىء الله الذى أفاء عليكم، فأنتم أحقّ به». قالوا: يا رسول الله، بل نردّه عليه، فردّوه عليه، حتى إنّ الرجل ليأتى بالدّلو، ويأتى الرجل بالشّتّة والإداوة، حتى إنّ أحدهم ليأتى بالشّظاظ، حتى ردّوا عليه ماله بأسره لم يفقد منه شيئا، ثم احتمل إلى مكة، فأدّى إلى كلّ ذى مال من قريش ماله، ثم قال: يا معشر قريش، هل بقى لأحد منكم عندى مال لم يأخذه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرا، فقد وجدناك وفيّا كريما؛ قال: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ما منعنى من الإسلام عنده إلا تخوّف أن يظنّوا أنى إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أدّاها الله إليكم وفرغت منها أسلمت. ثم خرج حتى قدم على رسول الله ﷺ، فردّ عليه رسول الله ﷺ زينب على النكاح الأوّل، ولم يحدث شيئا.
نرجع إلى تتمة أخبار أسارى بدر:
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع