من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر غزوة تبوك
كانت غزوة تبوك فى شهر رجب سنة تسع من مهاجر رسول الله ﷺ، وكان سببها أنّ رسول الله ﷺ بلغه أنّ الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام، وأنّ هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معه لحم،
وجدام، وعاملة، وغسان، وقدّموا مقدّماتهم إلى البلقاء، فندب رسول الله ﷺ الناس إلى الخروج، وأعلمهم المكان الذى يريد ليتأهّبوا لذلك، وبعث إلى مكّة وإلى قبائل العرب يستنفرهم، وذلك فى حرّ شديد، وأمرهم بالصدقة، فحملوا صدقات كثيرة، وقووا فى سبيل الله.
قال ابن هشام: أنفق عثمان بن عفّان رضى الله عنه فى جيش العسرة فى غزوة تبوك ألف دينار، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم ارض عن عثمان فإنّى عنه راض».
وجاء البكاءون وهم سبعة: سالم بن عمير، وهرمىّ بن عبد الله أخو بنى واقف، وعلبة بن زيد أخو بنى حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب المازنىّ، وعمرو بن عنمة، وسلمة بن صخر، والعرباض بن سارية الفزارىّ.
قال: وفى بعض الرّواة من يقول: إنّ فيهم عبد الله بن مغفّل المزنىّ، ومعقل ابن يسار، وبعضهم يقول: البكاءون بنو مقرّن السبعة، وهم من مزينة، فأتوا رسول الله ﷺ يستحملونه، فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه»؛ فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألّا يجدوا ما ينفقون، فعذرهم الله تعالى.
قال: وبلغ رسول الله ﷺ أنّ ناسا من المنافقين يجتمعون فى بيت سويلم اليهودىّ، يثبّطون الناس عن رسول الله ﷺ، فبعث رسول الله ﷺ إليهم طلحة بن عبيد الله فى نفر من أصحابه، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة، فاقتحم الضّحاك بن خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا، فقال الضحّاك فى ذلك:
كادت وبيت الله نار محمّديشيط بها الضحّاك وابن أبيرق
فظلت وقد طبّقت كبس سويلمأنوء على رجلى كسيرا ومرفقى
سلام عليكم لا أعود لمثلهاأخاف، ومن تشمل به النار يحرق
وجاء ناس من المنافقين يستأذنون رسول الله ﷺ فى التخلّف من غير علّة، فأذن لهم، وهم بضعة وثمانون رجلا.
وجاء المعذّرون من الأعراب ليؤذن لهم، فاعتذروا إليه، فلم يعذرهم، وهم اثنان وثمانون رجلا؛ ذكر أنهم نفر من بنى غفار، وكان عبد الله بن أبىّ بن سلول قد عسكر على ثنيّة الوداع فى حلفائه من اليهود والمنافقين، فكان يقال: ليس عسكره بأقلّ العسكرين، وكان رسول الله ﷺ يستخلف على عسكره أبا بكر الصدّيق رضى الله عنه، فصلّى بالناس، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة، فلمّا سار رسول الله ﷺ تخلّف عبد الله بن أبىّ، ومن كان معه، وتخلّف نفر من المسلمين من غير شكّ ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك، وهلال بن أميّة، ومرارة بن الرّبيع، وأبو خيثمة مالك بن قيس السّالمى، وأبو ذرّ الغفارىّ؛ وأمر رسول الله ﷺ كلّ بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتّخذوا لواء أو راية، ومضى ﷺ لوجهه يسير بأصحابه حتى قدم تبوك فى ثلاثين ألفا من الناس، والخيل عشرة آلاف فرس، فأقام بها عشرين ليلة يصلّى ركعتين ركعتين، ولحقه بها أبو خيثمة وأبو ذرّ.
قال محمد بن إسحاق فى سبب مسير أبى خيثمة إلى رسول الله ﷺ: إنه جاء يوما إلى أهله بعد أن سار رسول الله ﷺ أيّاما فى يوم
حارّ، فوجد امرأتين له فى عريشين لهما فى حائطه، قد رشّت كلّ واحدة منهما عريشها وبردّت له فيه ماء، وهيّأت طعاما، فلمّا دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله فى الضّحّ والرّيح والحرّ، وأبو خيثمة فى ظلّ بارد، وطعام مهيّأ، وامرأة حسناء، فى ماله مقيم، ما هذا بالنّصف! ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ، فهيّأ لى زادا، ففعلتا، ثم قدّم ناضحه فارتحله، ثم خرج فى طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل تبوك.
قال: ولمّا دنا من رسول الله ﷺ قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل؛ فقال رسول الله ﷺ: «كن أبا خيثمة»؛ قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة؛ فلمّا أناخ أقبل فسلّم على رسول الله ﷺ فقال له: «أولى لك يا أبا خيثمة» !، ثم أخبر رسول الله ﷺ الخبر، فقال: خيرا ودعا له.
وأما أبو ذرّ الغفارىّ، فإنه أدرك رسول الله ﷺ فى أثناء الطريق، وكان بعيره قد أبطأ عليه، فحمل متاعه على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله ﷺ حتّى أدركه، فقال رسول الله ﷺ:
«رحم الله أبا ذرّ، يمشى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده» فكان كذلك.
قال: وقدم رسول الله ﷺ تبوك وهرقل يومئذ بحمص، فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أكيدر.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع