من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وفد همدان
قال محمد بن سعد رحمه الله تعالى: أخبرنا هشام بن محمد، قال: حدثنا حبّان ابن هانئ بن مسلم بن قيس بن عمرو بن مالك بن لأى الهمدانىّ ثم الأرحبىّ عن أشياخهم، قالوا: قدم قيس بن مالك بن سعد بن مالك بن لأى الأرحبىّ على رسول
الله ﷺ وهو بمكة، فقال: يا رسول الله أتيتك لأومن بك وأنصرك؛ فقال له: «مرحبا بك، أتأخذونى بما فىّ يا معشر همدان» ؟ قال: نعم؛ بأبى أنت وأمّى، قال: «فاذهب إلى قومك، فإن فعلوا فارجع أذهب معك»، فخرج قيس إلى قومه، فأسلموا واغتسلوا فى جوف المحورة - وهو ماء يغتسلون فيه- وتوجّهوا إلى القبلة، ثم خرج بإسلامهم إلى رسول الله ﷺ، فقال: قد أسلم قومى وأمرونى أن آخذك، فقال رسول الله ﷺ: «نعم وافد القوم قيس»، وقال: «وفّيت وفّى الله بك»، ومسح بناصيته، وكتب عهده على قومه همدان: أحمورها وعربها وخلائطها ومواليها أن يسمعوا له ويطيعوا، فإنّ لهم ذمّة الله وذمّة رسوله ما أقمتم الصّلاة وآتيتم الزّكاة؛ وأطعمه ثلاثمائة فرق، من خيوان مائتان: زبيب وذرة شطران، ومن عمران الجوف مائة فرق برّ، جارية أبدا من مال الله.
ومن طريق آخر له قال: عرض رسول الله ﷺ نفسه بالموسم على قبائل العرب، فمرّ به رجل من أرحب يقال له: عبد الله بن قيس بن أمّ
غزال، فقال: «هل عند قومك من منعة» ؟ قال: نعم، فعرض عليه الإسلام، فأسلم، ثم إنه خاف أن يخفره قومه فوعده الحجّ من قابل، ثم وجّه الهمدانىّ يريد قومه، فقتله رجل من بنى زبيد يقال له ذباب، ثم إن فتية من أرحب قتلوا ذبابا الزّبيدىّ بعبد الله بن قيس. هذا قبل الهجرة.
وأما بعد الهجرة، فقد روى محمد بن إسحق ﵀، قال: قدم وفد همدان على رسول الله ﷺ، منهم مالك بن نمط، وأبو ثور وهو ذو المشعار، ومالك بن أيفع، وضمام بن مالك السّلمانى، وعميرة بن مالك الخارفّى، فلقوا رسول الله ﷺ مرجعه من تبوك، وعليهم مقطّعات الحبرات والعمائم العدنيّة، برحال الميس على المهريّة والأرحبيّة، ومالك بن نمط، ورجل آخر؟؟ رتجزان بالقوم؛ يقول أحدهما:
همدان خير سوقة وأقيالليس لها فى العالمين أمثال
محلّها الهضب ومنها الأبطاللها إطابات بها وآكال
ويقول الآخر:
إليك جاوزن سواد الرّيففى هبوات الصّيف والخريف
مخطّمات بجبال اللّيف
فقام مالك بن نمط بين يديه، ثم قال: يا رسول الله! نصيّة من همدان من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواج، متّصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم فى الله لومة لائم، من مخلاف خارف ويام وشاكر، أهل السّود والقود، أجابوا دعوة الرسول، وفارقوا آلهات الأنصاب، عهدهم لا ينقض ما أقامت لعلع، وما جرى اليعفور بضلع. فقال رسول الله ﷺ: «نعم الحىّ همدان، ما أسرعها إلى النّصر، وأصبرها على الجهد، ومنهم أبدال، وفيهم أوتاد الإسلام»، وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا؛ فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب من [محمد] رسول الله لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحقاف الرّمل، مع
وافدها ذى المشعار مالك بن نمط، ومن أسلم من قومه، على أن لهم فراعها ووهاطها وعزازها، يأكلون علافها، ويرعون عافيها، لنا منهم من دفئهم وصرامهم ما سلّموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصّدقة الثّلب والنّاب والفصيل والفارض والدّاجن والكبش الحورىّ، وعليهم فيها الصّالغ والقارح ما أقاموا الصلاة وآتوا الزّكاة، لهم بذلك عهد الله وذمام رسول الله ﵇، وشاهدهم المهاجرون والأنصار ».
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع