من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وفد الأزد وأهل جرش
قالوا: قدم صرد بن عبد الله الأزدىّ في بضعة عشر رجلا من قومه، وفدا إلى رسول الله ﷺ، فنزلوا على فروة بن عمرو، وأتوا رسول الله ﷺ فأسلموا، وأقاموا عشرة أيام، وكان صرد أفضلهم، فأمّره رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بهم من يليه، من أهل الشّرك من قبائل اليمن؛ فخرج حتى نزل جرش وهى مدينة حصينة مغلقة، وبها
قبائل من قبائل اليمن. وقد ضوت إليهم خثعم، فدخلوا معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم، فحاصرهم صرد ومن معه فيها شهرا، ثم رجع قافلا، حتى إذا كان إلى جبل لهم يقال له شكر، ظنّ أهل جرش أنه إنما ولّى عنهم منهزما، فخرجوا فى طلبه حتى إذا أدركوه صفّ صفوفه، وحمل عليهم هو والمسلمون، ووضعوا سيوفهم فيهم حيث شاءوا، وأخذوا من خيلهم عشرين فرسا، فقاتلوهم عليها نهارا طويلا.
وكان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله ﷺ بالمدينة يرتادان وينظران، فبينما هما عند رسول الله ﷺ عشية بعد العصر؛ إذ قال رسول الله ﷺ: «بأىّ بلاد الله شكر» ؟ فقام الجرشيّان فقالا: يا رسول الله، ببلادنا جبل يقال له كشر، وكذلك نسميّه أهل جرش، فقال: «إنه ليس بكشر ولكنه شكر»، قالا: فما شأنه يا رسول الله؟ قال:
«إنّ بدن الله لتنحر عنده الآن» قال: فجلس الرجلان إلى أبى بكر، أو إلى عثمان.
فقال لهما: ويحكما! إن رسول الله ﷺ الآن لينعى لكما قومكما، فقوما إلى رسول الله فسلاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكما. فقاما إليه فسألاه ذلك.
فقال: «اللهم ارفع عنهم» فخرجا من عند رسول الله ﷺ راجعين إلى قومهما، فوجدا قومهما قد أصيبوا من صرد فى اليوم الذى قال فيه رسول الله ﷺ ما قال فى تلك الساعة، فقصّا على قومهما القصّة، فخرج وفدهم حتى قدموا على رسول الله ﷺ فأسلموا، فقال: «مرحبا بكم،
أحسن الناس وجوها، وأصدقه لقاء، وأطيبه كلاما، وأعظمه أمانة، أنتم منى وأنا منكم» وجعل شعارهم مبرورا، وحمى لهم حمى حول قريتهم، على أعلام معلومة للفرس والراحلة وللمثيرة- بقرة الحرث- فمن رعاه من الناس فماله سحت.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع