من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر نبذة من فضائله رضى الله تعالى عنه
هو- رضى الله عنه- أوّل من أسلم، عند بعضهم، على ما فى ذلك من الاختلاف فيه وفى أبى بكر، رضى الله عنهما، وأيّهما سبق إلى الإسلام ...
وقد ذكرنا ذلك كله فى ابتداء السيرة النبويّة، فى السّفر الرابع عشر من هذه النسخة، فلا فائدة فى إعادته، فلنذكر من فضائلة خلاف ذلك:
أجمعوا على أنه- رضى الله عنه- صلّى إلى القبلتين، وهاجر وشهد جميع المشاهد مع رسول الله ﷺ، إلّا غزوة تبوك،
فإنّ رسول الله ﵊ خلّفة بالمدينة على عياله، وقال له: أنت منّى بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبىّ بعدى
. رواه جماعة من الصحابة.
وروى أنّ رسول الله ﷺ لمّا آخى بين المهاجرين، [ثم آخى بين المهاجرين والأنصار]، قال فى كل واحد منهما لعلىّ: «أنت أخى فى الدنيا والآخرة»، وآخى بينه وبين نفسه.
ولذلك قال علىّ لأصحاب الشّورى: أنشدكم الله، هل
فيكم أحد آخى رسول الله ﷺ بينه وبينه- إذ آخى بين المسلمين- غيرى؟ قالوا: اللهمّ لا وربّنا. وكان يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله، لا يقولها أحد غيرى إلّا كذّاب.
وروى بريدة وأبو هريرة وجابر والبراء بن عازب وزيد بن أرقم، كلّ منهم، عن رسول الله ﷺ أنه قال يوم غدير خمّ: «من كنت مولاه فعلىّ مولاه» وفى رواية بعضهم «اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه»
. وقد ذكرنا فى غزوة خيبر أنّ رسول الله ﷺ قال: «لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله ليس بفرّار، يفتح الله على يديه»
وأنّه أعطى الراية لعلىّ، ففتح الله على يديه.
وبعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، وهو شابّ، ليقضى بينهم، فقال: يا رسول الله إنّى لا أدرى ما القضاء؟ فضرب
رسول الله ﵊ صدره بيده وقال: «اللهمّ اهد قلبه وسدّد لسانه »
قال علىّ فو الله ما شككت بعدها فى قضاء بين اثنين.
ولما نزل قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
دعا رسول الله ﷺ فاطمة وعليّا وحسنا وحسينا فى بيت أمّ سلمة وقال: اللهمّ إنّ هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا
. قال أبو عمر:
وروت طائفة من الصحابة أنّ رسول الله ﷺ قال لعلىّ: لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق.
وقال له رسول الله ﵊: «يهلك فيك رجلان: محبّ مطر وكذّاب مفتر »
. وقال له: «تفترق فيك أمّتى كما افترقت بنو إسرائيل فى عيسى.
وروى عن رسول الله ﷺ: «أنا مدينة العلم، وعلىّ بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه»
. وقال فى أصحابه: «أقضاهم علىّ».
وقال عمر رضى الله عنه: «علىّ أقضانا».
وكان عمر يتعوّذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن ! وقال علىّ فى التى وضعت لستّة أشهر، فأراد عمر رجمها:
إن الله ﵎ يقول: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
[ويقول وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ
].
وكان- رضى الله عنه- أعلم الناس بالفرائض، وله فى ذلك أخبار.
منها ما رواه أبو عمر ابن عبد البر بسنده عن زرّ بن حبيش قال: جلس رجلان يتغدّيان، مع أحدهما خمسة أرغفة، ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فلما وضعا الغداء بين أيديهما مرّ بهما رجلّ، فسلّم،
فقالا له: [اجلس] للغداء. فجلس وأكل معهما، واستوفوا فى أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم، وقال خذا هذه عوضا ممّا أكلت لكما ونلّته من طعامكما. [فتنازعا،] وقال صاحب الخمسة الأرغفة: لى خمسة دراهم ولك ثلاثة. فقال صاحب الأرغفة الثلاثة: لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا نصفين.
فارتفعا إلى أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب، فقصّا عليه قصّتهما، فقال لصاحب الثلاثة [الأرغفة]: قد عرض عليك صاحبك ما عرض وخبزه أكثر من خبزك فارض بالثلاثة. فقال: لا والله لا رضيت منه إلّا بمرّ الحق. فقال علىّ: ليس لك فى مر الحق إلا درهم واحد وله سبعة. فقال الرجل: «سبحان الله يا أمير المؤمنين! هو يعرض علىّ ثلاثة فلم أرض وأشرت علىّ بأخذها فلم أرض، وتقول لى الآن: إنه لا يجب لك إلّا درهم واحد!» فقال له [علىّ]:
«عرض عليك صاحبك أن تأخذ الثلاثة صلحا، فقلت: لا أرضى إلا بمر الحق، ولا يجب لك فى مر الحق إلا واحد.» فقال له الرجل:
فعرّفنى الوجه فى مر الحق حتّى أقبله. فقال: «أليس للثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثا؟ أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس، ولا نعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقلّ، فتحملون [فى] أكلكم على السواء.» قال: بلى. قال: فأكلت أنت ثمانية أثلاث، [وإنما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث]، وله خمسة
عشر ثلثا، أكل منها ثمانية وتبقى [له] سبعة، وأكل لك واحدا من تسعة، فلك واحد بواحدك، وله سبعة [بسبعته]. فقال له الرجل: رضيت الآن!.
وأتته امرأة وهو على المنبر فقالت: ترك أخى ستّمائة دينار وأعطيت دينارا! (وتظلمت من ذلك) فقال: لعل أخاك ترك زوجة وأمّا وبنتين واثنى عشر أخا وأنت. قالت: نعم. فقال: قد أستوفيت حقّك. وهذه المسألة مشهورة مسطورة فى كتب الفقه، وتسمى «الدّيناريّه» و «المنبرية» وهو- رضى الله عنه- ممّن جمع القرآن على عهد النبى ﷺ، هو وعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وسالم مولى أبى حذيفة بن عتبة بن ربيعة.
وعن محمد بن سيرين قال: لما بويع أبو بكر الصدّيق رضى
الله عنه أبطأ [علىّ] عن بيعته وجلس فى بيته، فبعث إليه أبو بكر: ما بطّأ بك عنّى؟ أكرهت إمارتى؟ فقال؛: ما كرهت إمارتك، ولكنّى آليت أن لا أرتدى ردائى- إلّا إلى صلاة- حتى أجمع القرآن!: قال ابن سيرين: فبلغنى أنه كتبه على تنزيله، ولو وجد ذلك الكتاب لوجد فيه علم كثير.
وفى علىّ- رضى الله عنه- يقول إسماعيل بن محمد الحميرىّ من أبيات:
سائل قريشا بها إن كنت ذاعمه:من كان أثبتها فى الدّين أوتادا؟
من كان أقدمها سلما وأكثرهاعلما وأطهرها أهلا وأولادا؟
من وحّد الله إذ كانت مكذّبةتدعو مع الله أوثانا وأندادا؟
من كان يقدم فى الهيجاء إن نكلواعنها وإن بخلوا فى أزمة جادا؟
من كان أعدلها حكما وأبسطهاعلما وأصدقها وعدا وإيعادا؟
إن يصدقوك فلن يعدوا أبا حسنإن أنت لم تلق للأبرار حسّادا!
إن أنت لم تلق أقواما ذوى صلفذوى عناد لحقّ الله جحّادا!
وفضائله- رضى الله عنه- ومآثره كثيرة، وفيما أوردناه منها وما نورده بعد- إن شاء الله- كفاية عن بسط ... فلنذكر بيعته رضى الله عنه.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع