تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر مسير على الى البصرة وما اتّفق له فى مسيره ومن انضمّ إليه ومراسلته أهل الكوفة

قال: وكان علىّ رضى الله عنه قد تجهّز لقصد الشام لقتال معاوية، لما أظهر الخلاف عليه، كما تقدم، فبينما هو على ذلك أتاه الخبر عن طلحة والزّبير وعائشة من مكة بما عزموا عليه، فلما بلغه ذلك وأنهم يريدون البصرة سرّه ذلك، وقال: إن الكوفة فيها رجال [من] العرب وبيوتاتهم. فقال له ابن عبّاس- رضى الله عنهما-:

«إنّ الّذى سرّك من ذلك ليسوءنى، إنّ الكوفة فسطاط فيه من أعلام العرب ولا يزال فيها من يسمو إلى أمر لا يناله، فإذا كان كذلك شغب على الّذى قد نال ما يريد، حتّى يكسر حدّته.» فقال علىّ: إنّ الأمر ليشبه ما تقول.

وتهيّأ للخروج إليهم، فندب أهل المدينة للمسير معه، فتثاقلوا فبعت إلى عبد الله بن عمر كميلا النّخعى، فجاء به، فدعاه إلى الخروج معه، فقال: «إنّما أنا من أهل المدينة، وقد دخلوا فى هذا الأمر، فدخلت معهم، فإن يخرجوا أخرج معهم [وإن يقعدوا أقعد.» قال: فأعطنى كفيلا. قال: لا أفعل]. فقال له علىّ: لولا ما أعرف من سوء خلقك صغيرا وكبيرا لأنكرتنى! دعوه فأنا كفيله. فرجع ابن عمر إلى أهل المدينة وهم يقولون: «والله ما ندرى كيف نصنع؟ إنّ الأمر لمشتبه علينا، ونحن مقيمون حتّى يضىء!» فخرج من تحت ليلته، وأخبر أمّ كلثوم (ابنة علىّ، وهى زوجة عمر) بالّذى سمع وأنّه يخرج معتمرا مقيما على طاعة علىّ ما خلا النهوض. فأصبح علىّ فقيل له: حدث الليلة حدث هو أشدّ من أمر طلحة والزّبير وعائشة ومعاوية! قال:

وما ذاك؟ قالوا: خرج ابن عمر إلى الشام! فأتى السوق، وأعدّ

الظّهر [والرّحال، وأعدّ] لكل طريق طلّابا، وماج الناس، فسمعت أمّ كلثوم، فأتت عليّا فأخبرته الخبر، فطابت نفسه، وقال: «انصرفوا، والله ما كذبت ولا كذب، وإنّه عندى ثقة». فانصرفوا.

ثم أتى عليّا الخبر بمسير طلحة والزّبير وعائشة من مكة نحو البصرة، فدعا وجوه أهل المدينة وخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه وقال: «إنّ آخر هذا الأمر لا يصلح إلّا بما صلح أوّله، فانصروا الله ينصركم ويصلح لكم أمركم.» فتثاقلوا، فلمّا رأى زياد بن حنظله تثاقل الناس انتدب إلى علىّ رضى الله عنه وقال له:

من تثاقل عنك فإنّا نخفّ معك فنقاتل دونك. وقام أبو الهيثم ابن التّيّهان وخزيمة بن ثابت. قال ابن الأثير: «قال الحكم:

ليس بذى الشهادتين، مات ذو الشهادتين أيّام عثمان رضى الله عنه». وقال أبو عمر ابن عبد البر فى ترجمة خزيمة بن ثابت

ذى الشهادتين: (إنه شهد مع علىّ حرب الجمل وصفّين فدلّ على أنه هو، والله أعلم.) فأجابا عليّا إلى نصرته.

وقال أبو قتادة الأنصارى لعلىّ: «يا أمير المؤمنين، إنّ رسول الله ﷺ قلّدنى هذا السيف، وقد أغمدته زمانا، وقد حان تجريده على هؤلاء القوم الظالمين الّذين لم يألوا الأمة غشا، وقد أحببت أن تقدّمنى، فقدّمنى.

قال: ولما أراد علىّ المسير إلى البصرة وكان يرجو أن يدرك طلحة والزّبير فيردهما قبل وصولهما إلى البصرة، فلمّا سار استخلف على المدينة تمّام بن العبّاس، وعلى مكة قثم بن العباس، وقيل: أمّر على المدينة سهل بن حنيف، وسار فى تعبئته الّتى كانت لأهل الشام، وذلك فى آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين.

وخرج معه من نشط من الكوفيين والبصرين متخففين فى تسعمائة، فلقيه عبد الله بن سلام فأخذ بعنانه، وقال: «يا أمير المؤمنين، لا تخرج منها، فو الله لئن خرجت منها لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا!» فسبّوه، فقال: «دعوه، نعم الرجل من أصحاب محمد ﷺ». وسار حتّى انتهى إلى الرّبذة، فأتاه خبر سبقهم إلى البصرة، فأقام بها يأتمر ما يفعل.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.