تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

سنة اربعين

فى هذه السّنة بعث معاوية بسر بن أرطاة إلى الحجاز واليمن، ففعل من الأفعال القبيحة وسفك من الدماء المحرمة ما نذكره فى أخبار معاوية.

وفيها جرت مهادنة بين علىّ ومعاوية بعد مكاتبات طويلة على وضع الحرب، ويكون لعلى العراق ولمعاوية الشام لا يدخل أحدهما بلد الآخر بغارة، واتفقا على ذلك.

وفيها فارق عبد الله بن عباس البصرة ولحق بمكة فى قول أكثر أهل التاريخ، وسبب ذلك أنه مر بأبى الأسود فقال له: «لو كنت من البهائم لكنت جملا، ولو كنت راعيا لما بلغت المرعى».

فكتب أبو الأسود إلى علىّ رضى الله عنه: «إن ابن عمك قد أكل

ما تحت يده بغير علمك، ولم يسعنى كتمانك رحمك الله، فانظر فيما هناك وكتب إلىّ برأيك فيما أحببت والسلام».

فكتب إليه علىّ: «أما بعد فمثلك من نصح الإمام والأمة، ووالى على الحقّ، وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبت إلىّ، ولم أعلمه بكتابك فلا تدع إعلامى بما يكون بحضرتك مما النظر فيه للأمة صلاح، فإنك بذلك جدير، وهو حق واجب عليك والسلام.

وكتب إلى ابن عباس فى ذلك، فكتب إليه ابن عباس: «أمّا بعد فإن الذى بلغك باطل، وإنى لما تحت يدى ضابط، وله حافظ، فلا تصدّق الظّنين والسلام. فكتب إليه علىّ: أمّا بعد، فأعلمنى ما أخذت من الجزية، ومن أين أخذت، وفيما وضعت».

فكتب إليه ابن عباس: «أمّا بعد، فقد فهمت تعظيمك مرزأة ما بلغك أنى رزأته من أهل هذه البلاد، فابعث إلى عملك من أحببت فإنّى ظاعن عنه والسلام».

واستدعى أخواله بنى هلال بن عامر، فاجتمعت معه قيس كلها، فحمل مالا وقال: هذه أرزاقنا اجتمعت، فتبعه أهل البصرة، فلحقوه بالطّفّ يريدون أخذ المال فقال قيس: والله لا يوصل إليه وفينا عين تطرف. فقال صبرة بن شيمان الحدّانىّ: «يا معشر الأزد إن قيسا إخواننا وجيراننا وأعواننا على العدوّ، وإن الذى يصيبكم من هذا المال القليل، وهم لكم خير من المال». فأطاعوه، فانصرفوا وانصرف معهم بكر وعبد القيس.. وقاتلهم بنو تميم فنهاهم الأحنف، فلم يسمعوا

منه، فاعتزلهم، وقاتلهم بنو تميم فحجز الناس بينهم.. ومضى ابن عباس إلى مكة المشرفة.

وقيل بل أقام بالبصرة إلى أيام الحسن- رضى الله عنه وأرضاه، وشهد صلح الحسن ومعاوية.

والأول أصح، والذى شهد الصلح عبيد الله بن عباس.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.