من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر مقتل على بن أبى طالب رضى الله عنه وشىء من سيرته
كان مقتله فى شهر رمضان سنة أربعين ليلة الجمعة. قيل: لسبع عشرة ليلة خلت منه، وقيل: لإحدى عشرة ليلة. وقيل: فى شهر ربيع الآخر. والأول أصح.
وقاتله عبد الرحمن بن ملجم المرادىّ ثم التّجوبىّ، وأصله من حمير، ولم يختلفوا فى أنه حليف لمراد، وعداده فيهم.
وكان سبب قتله أن عبد الرحمن هذا، والبرك بن عبد الله التّميمى الصريمى واسمه الحجاج، وعمرو بن بكر التّميمىّ السّعدىّ وهم من الخوارج، اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس، وعابوا ولاتهم، ثم ذكروا أهل النّهروان، وقالوا: «ما نصنع بالبقاء بعدهم؟ فلو شرينا نفوسنا، وقتلنا أئمة الضّلالة، وأرحنا منهم البلاد!». فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم عليا. وقال البرك: أنا أكفيكم معاوية
وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص. فتعاهدوا على ذلك، وسمّوا سيوفهم واتّعدوا لسبع عشرة من رمضان، وقصد كل منهم الجهة التى يريدها.
فأما البرك بن عبد الله فإنه توجه إلى معاوية، فلما خرج للصلاة ضربه بالسيف فوقع فى أليته، وأخذ فقتل. وقيل: لم يقتله وإنما قطع يده ورجله. وبعث معاوية إلى الساعدىّ، وكان طبيبا، فقال له: «اختر إمّا أن أحمى حديدة فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد». فقال: «أمّا النار فلا صبر لى عليها، وأما الولد ففى يزيد وعبد الله ما تقرّ به عينى. فسقاه شربة فبرئ ولم يولد له بعدها.
وأما عمرو بن بكر- فإنه جلس لعمرو بن العاص فى تلك الليلة، فما خرج لشكاية نالته فى بطنه، فأمر خارجة ابن حبيبة- وكان صاحب شرطته- أن يصلى بالناس، فخرج ليصلّى، فشدّ عليه وهو يرى أنه عمرو بن العاص فقتله. فأتى به إلى عمرو فقال: من هذا؟.
قالوا: عمرو. قال ومن قتلت؟ قالوا: خارجة. قال:
أما والله ما ظننته غيرك. فقال: أردتنى وأراد الله خارجة؛ وقتله عمرو.
هكذا نقل ابن الأثير فى تاريخه الكامل فى هذه الواقعة فى القاتل والمقتول.
وقال أبو عمر بن عبد البر: إن القاتل اسمه زادويه رجل من بنى العنبر بن عمرو بن تميم، قال وقيل: مولى لبنى العنبر. وفى المقتول إنه خارجة بن حذافة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد ابن عويج بن عدّى بن كعب القرشىّ العدوىّ، وأمه فاطمة بنت عمرو بن بجرة العدويّة. وقال فى ترجمته: كان أحد فرسان قريش، يقال: إنه كان يعدل بألف فارس، قال: وذكر بعض أهل النسب والأخبار أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر ليمدّه بثلاثة آلاف فارس، فأمدّه بالزّبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وخارجة بن حذافة هذا، وقال: إنه لما قتل وأدخل القاتل على عمرو فقال: من هذا الذى تدخلونى عليه؟ فقالوا: عمرو بن العاص، فقال: ومن قتلته؟
قيل: خارجة، فقال: أردت عمرا وأراد الله خارجة، وقيل: إن ذلك من كلام عمرو كما تقدم. وفى ذلك يقول عبد الجيد بن عبدون:
وليتها إذ فدت عمرا بخارجةفدت عليا بمن شاءت من البشر
وأمّا عبد الرحمن بن ملجم- لعنه الله تعالى آمين- فإنه أتى الكوفة واشترى سيفا بألف، وسقاه السم حتى لقطه، وكان فى خلال ذلك يأتى عليا رضى الله عنه فيسأله فيعطيه، ويستحمله فيحمله، إلى أن وقعت عينه على قطام بنت علقمة، وهى تيم الرّباب، وقيل هى منى بنى عجل بن لجيم، وكانت ترى رأى الخوارج، وكان علىّ قد قتل أباها وإخوتها بالنّهروان، وكانت امرأة رائعة جميلة، فأعجبته وأخذت بمجامع قلبه، فخطبها، فقالت: لقد آليت أن لا أتزوج إلّا على مهر لا أريد سواه. فقال: وما هو؟ فقالت: ثلاثة آلاف
درهم وعبد وقينة وقتل على بن أبى طالب. فقال: «والله لقد قصدت لقتل على بن أبى طالب والفتك به، وما أقدمنى إلى هذا المصر غير ذلك، ولكنى لما رأيتك آثرت تزويجك». فقالت: ليس إلّا الذى قلت لك. فقال لها: «وما يعنيك أو يعنينى منك قتل علىّ؟ وأنا أعلم أنى إن قتلته لم أفت». فقالت: «إن قتلته ونجوت فهو الذى أردت، تبلغ شفاء نفسى ويهنيك العيش معى، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وما فيها». فقال لها: لك ما اشترطت ففى ذلك يقول ابن ملجم:
ثلاثة آلاف وعبد وقيّنةوضرب علىّ بالحسام المصمّم
فلا مهر أغلى من علىّ وإن غلاولا فتك إلّا دون فتك ابن ملجم
[وقد رويت هذه لغيره، وأولها:]
فلم أر مهرا ساقه ذو سماحةكمهر قطام من فصيح وأعجم
وقالت قطام له: إنى سألتمس لك من يشدّ ظهرك. فبعثت إلى ابن عم لها يدعى وردان بن مجالد، فأجابها.
ولقى ابن ملجم شبيب بن بجرة الأشجعى فقال له: يا شبيب هل لك فى شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما هو؟ قال: تساعدنى على قتل علىّ بن أبى طالب، فقال: «ثكلتك أمّك! لقد جئت شيئا إدّا، كيف تقدر على ذلك؟» قال: «إنه رجل لا حرس له، ويخرج إلى المسجد منفردا دون من يحرسه، فنكمن له فى المسجد،
فإذا خرج إلى الصلاة قتلناه، فإن نجونا نجونا، وإن قتلنا سعدنا بالذكر فى الدنيا وبالجنة فى الآخرة». فقال: «ويلك! إن عليا ذو سابقة فى الإسلام وفضل، والله ما تنشرح نفسى لقتله».
قال: «ويلك! إنه حكّم الرجال فى دين الله، وقتل إخواننا الصالحين، فنقتله ببعض من قتل، فلا تشكّن فى دينك». فأجابه، وأقبلا حتى دخلا على قطام، وهى معتكفة فى المسجد الأعظم فى قبّة ضربتها لنفسها، فدعت لهم.
وأخذوا أسيافهم وجلسوا قبالة السّدّة التى يخرج منها علىّ رضى الله عنه، فخرج إلى صلاة الصبح يوم الجمعة، فبدره شبيب فضربه فأخطأه، ووقع سيفه بعضادة الباب، وضربه عبد الرحمن بن ملجم على رأسه، وقال: الحكم لله يا علىّ لا لك ولا لأصحابك. فقال علىّ رضى الله عنه: فزت ورب الكعبة! لا يفوتنكم الكلب!.
وهرب شبيب خارجا من باب كندة، فلحقه رجل من حضرموت يقال له: عويمر، فصرعه، وأخذ سيفه، وجلس على صدره فصاح الناس: عليكم بصاحب السيف، فخاف عويمر على نفسه فتركه ونجا، فهرب شبيب فى غمار الناس.
وهرب وردان إلى منزله، فأتاه رجل من أهله، فأخبره وردان بما كان، فانصرف وجاء بسيفه وقتل وردان.
وأما ابن ملجم فإنه لما ضرب عليّا حمل على الناس، فأفرجوا له، فتلقّاه المغيرة بن الحكم بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب، فرمى عليه قطيفة واحتمله وصرعه وقعد على صدره.
واختلفوا: هل ضربه فى الصلاة؟ أو قبل الدخول فيها؟ وهل استخلف من أتمّ بهم الصلاة أو هو أتمها؟ قال أبو عمر بن عبد البر: والأكثر أنه استخلف جعدة بن هبيرة، فصلّى بهم تلك الصلاة.
قال: ثم قال على رضى الله عنه لأصحابه حين أخذوا ابن ملجم:
احبسوه فإن متّ فاقتلوه ولا تمثلوا به، وإن لم أمت فالأمر إلى فى العفو أو القصاص.
وقيل: إنه قال لهم: «النفس بالنفس، إن هلكت فاقتلوه وإن بقيت رأيت فيه رأيى، يا بنى عبد المطلب لا ألفيتكم تخوضون دماء المسلمين، تقولون: قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلنّ إلّا قاتلى».
وأتت أم كلثوم ابنة على رضى الله عنهما إلى ابن ملجم وهو مكتوف فقالت: «أى عدو الله، إنه لا بأس على أبى، والله مخزيك».
قال: فعلى من تبكين؟ والله لقد شريته بألف وسممّته بألف، ولو كانت الضربة بأهل مصر ما بقى منهم أحد.
قال: ثم أوصى علىّ رضى الله عنه أولاده بتقوى الله، ولم ينطق إلا بقول «لا إله إلا الله» حتى مات رضى الله عنه وأرضاه.
روى
عن صهيب أن رسول الله ﷺ قال لعلىّ
رضى الله عنه: من أشقى الأولين؟: قال: الذى عقر الناقة. قال: فمن أشقى الآخرين؟ قال؟ لا أدرى. قال: «الذى يضربك على هذا»
يعنى يافوخه، «فيخضب هذه» يعنى لحيته.
وعن ثعلبة الجمانى قال: سمعت على بن أبى طالب رضى الله عنه يقول: والذى فلق الحبّة وبرأ النّسمة لتخضبن هذه (يعنى لحيته) من دم هذا (يعنى رأسه)
وروى النسائى من حديث عمار بن ياسر عن النبى ﷺ أنه قال: أشقى الناس الذى عقر الناقة والذى يضربك على هذا
- ووضع يده على رأسه- حتى تخضب هذه، (يعنى لحيته) وعن ابن سيرين عن عبيدة قال: كان على بن أبى طالب رضى الله عنه إذا رأى ابن ملجم قال:
أريد حياته ويريد قتلىعذيرك من خليلك من مراد
وكان علىّ رضى الله عنه كثيرا ما يقول: ما يمنع أشقاها- أو ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه من دم هذا- ويشير إلى لحيته ورأسه- خضاب دم لا خضاب عطر ولا عبير؟.
وروى عمر بن شبّة عن أبى عاصم النّبيل وموسى بن إسماعيل عن سكين بن عبد العزيز العبدى، أنه سمع أباه يقول: جاء عبد الرحمن [بن ملجم] يستحمل عليا فحمله، ثم قال:
أريد حياته ويريد قتلىعذيرك من خليلك من مراد
أما إن هذا قاتلى. قيل: فما يمنعك منه؟ قال: إنه لم يقتلنى بعد.
وأتى علىّ رضى الله عنه فقيل له: ابن ملجم يسمّ سيفه، ويقول:
إنه سيفتك به فتكة يتحدّث بها العرب. فبعث إليه فقال له: لم تسم سيفك؟ قال لعدوّى وعدوّك. فخلّى عنه.
وفى كلام على رضى الله عنه يقول بكر بن حماد:
وهزّ علىّ بالعراقين لحيةمصيبتها حلت على كلّ مسلم
فقال: سيأتيها من الله حادثويخضبها أشقى البريّة بالدّم
فباكره بالسيف شلّت يمينهلشؤم قطام عند ذاك ابن ملجم
فيا ضربة من خاسر ضلّ سعيهتبوّأ منها مقعدا فى جهنّم
ففاز أمير المؤمنين بحظّهوإن طرقت فيه الخطوب بمعظم
ألا إنما الدنيا بلاء وفتنةحلاوتها شيبت بصاب وعلقم
وحكى عن عثمان بن المغيرة قال: لما دخل رمضان، كان على رضى الله عنه يتعشى ليلة عند الحسن رضى الله عنه، وليلة عند الحسين، وليلة عند ابن جعفر رضى الله عنهم، لا يزيد على ثلاث لقم، ثم يقول رضى الله عنه: يأتينى أمر الله وأنا خميص، وإنما هى ليلة أو ليلتان، فلم يمض قليل حتى قتل.
وقال الحسن ابن كثير عن أبيه قال: خرج علىّ رضى الله عنه من الفجر، فأقبل الإوزّ يصحن فى وجهه، فطردوهن عنه، فقال: ذروهنّ فإنّهن نوائح، فضربه ابن ملجم فى ليلته.
وقال الحسن بن على رضى الله عنهما يوم قتل على: خرجت البارحة وأبى يصلّى فى مسجد داره، فقال لى: «يا بنى إنى بتّ أوقظ أهلى لأنها ليلة الجمعة صبيحة بدر فملكتنى عيناى فنمت، فسنح لى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك من الأود واللّدد، فقال لى: ادع عليهم، فقلت: اللهم أبدلنى بهم من هو خير منهم وأبدلهم بى من هو
شر منى» فجاء ابن النّبّاح فآذنه بالصلاة فخرج، وخرجت خلفه، فضربه ابن ملجم فقتله.
وروى أبو عمر ابن عبد البر بسنده إلى عبد الله بن مالك قال:
جمع الأطبّاء لعلىّ رضى الله عنه يوم جرح، وكان أبصرهم بالطب أثير بن عمر السّكّونى، وكان يقال له: أثير بن عمريا، وكان صاحب كسرى يتطبّب له، وهو الذى ينسب إليه صحراء أثير، فأخذ أثير رئة [شاة] حارّة، فتتبع عرقا منها فاستخرجه فأدخله فى فى جراحة على، ثم نفخ العرق فاستخرجه فإذا عليه بياض دماغ.
وإذا الضربة قد وصلت إلى أم رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين اعهد عهدك فإنك ميّت.
وفى ضربة ابن ملجم يقول عمران بن حطّان الخارجى يمدح ابن ملجم:
لله درّ المرادى الذى سفكتكفّاه مهجة شرّ الخلق إنسانا
أمسى عشيّة غشّاه بضربتهممّا جناه من الآثام عريانا
يا ضربة من تقىّ ما أراد بهاإلا ليبلغ من ذى العرش رضوانا
إنى لأذكره حينا فأحسبهأوفى البرية عند الله ميزانا
فقال بكر بن حماد التّاهرتى معارضا له:
قل لابن ملجم والأقدار غالبةهدمت ويحك للإسلام أركانا
قتلت أفضل من يمشى على قدموأول الناس إسلاما وإيمانا
وأعلم الناس بالقرآن ثم بماسنّ الرسول لنا شرعا وتبيانا
صهر النبىّ ومولاه وناصرهأضحت مناقبه نورا وبرهانا
وكان منه على رغم الحسود لهمكان هارون من موسى بن عمرانا
وكان فى الحرب سيفا صار ما ذكراليثا إذا لقى الأقران أقرانا
ذكرت قاتله والدمع منحدرفقلت: سبحان ربّ الناس سبحانا
إنى لأحسبه ما كان من بشريخشى المعاد ولكن كان شيطانا
أشقى مراد إذا عدّت قبائلهاوأخسر الناس عند الله ميزانا
كعاقر الناقة الأولى التى جلبتعلى ثمود بأرض الحجر خسرانا
قد كان يخبرهم أن سوف يخضبهاقبل المنيّة أزمانا فأزمانا
فلا عفا الله عنه ما تحمّلهولا سقى قبر عمران بن حطّانا
لقوله فى شقى ظل مجترماونال ما ناله ظلما وعدوانا:
«يا ضربة من تقىّ ما أراد بهاإلّا ليبلغ من ذى العرش رضوانا»
بل ضربة من غوى أوردته لظىفسوف يلقى بها الرحمن غضبانا
كأنه لم يرد قصدا بضربتهإلّا ليصلى عذاب الخلد نيرانا
وقالت أم الهيثم بنت العريان النخعية، ومنهم من يرويها لأبى الأسود الدؤلى:
ألا يا عين ويحك أسعديناألا تبكى أمير المؤمنينا
تبكّى أم كلثوم عليهبعبرتها فقد رأت اليقينا
ألا قل للخوارج حيث كانوافلا قرّت عيون الشامتينا
أفى شهر الصيام فجعتمونابخير الناس ضرّا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطاياوذلّلها ومن ركب السّفينا
ومن لبس النعال ومن حذاهاومن قرأ المثانى والمبينا
وكلّ مناقب الخيرات فيهوحبّ رسول ربّ العالمينا
لقد علمت قريش حيث كانتبأنك خيرهم حسبا ودينا
إذا استقبلت وجه أبى ترابرأيت البدر فوق الناظرينا
وكنّا قبل مقتله بخيرترى مولى رسول الله فينا
يقيم الحقّ لا يرتاب فيهويعدل فى العدا والأقربينا
وليس بكاتم علما لديهولم يخلق من المتجبّرينا
كأنّ الناس إذ فقدوا عليانعام حار فى بلد سنينا
فلا تشمت معاوية بن صخرفإنّ بقية الخلفاء فينا
قال: ولما مات علىّ رضى الله عنه غسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكفّن فى ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وصلّى عليه ابنه الحسن، وكبّر سبع تكبيرات.
قال: ولمّا قبض رضى الله عنه بعث الحسن رضى الله عنه إلى ابن ملجم فأحضره، فقال للحسن: «هل لك فى خصلة؟ إنى والله أعطيت الله عهدا أن لا أعاهد عهدا إلّا وفيت به، وإنى عاهدت الله عند الحطيم أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما، فإن شئت خلّيت بينى وبينه، ولك عهد الله على أنى إن لم أقتله أو قتلته ثم بقيت أن آتيك حتّى أضع يدى فى يدك». فقال له الحسن:
لا والله. ثم قدّمه فقتله، فأخذه الناس فأدرجوه فى بوارى وحرّقوه بالنار.
واختلف فى موضع قبر علىّ رضى الله عنه، فقيل: دفن فى قصر الإمارة بالكوفة، وقيل: فى رحبة الكوفة، وقيل: دفن بنجف
الحيرة فى موضع بطريق الحيرة، وقيل: عند مسجد الجماعة، وقال الواقدى: دفن ليلا وأخفى قبره.
وكانت مدة خلافته خمس سنين إلّا ثلاثة أشهر، وقيل: أربع سنين وتسعة أشهر وستة أيام، وقيل: وثلاثة أيام، وقيل: وأربعة عشر يوما.
وكان عمره ثلاثا وستين سنة، وقيل: خمسا وستين، وقيل:
تسعا وخمسين، والأول أصح.
وأما سيرته رضى الله عنه فى خلافته فقد تقدّم من فضائله ما قدّمناه فى صدر هذا الفصل.
وكان من سيرته رضى الله عنه أنه يسير فى الفىء بسيرة أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه فى القسم، وإذا ورد عليه مال لم يبق منه شيئا إلا قسمه، ولا يترك فى بيت المال إلا ما يعجز عن قسمته فى يومه ذلك، ويقول: يا دنيا غرّى غيرى، ولم يكن يستأثر من الفىء بشىء، ولا يخصّ به حميما ولا قريبا.
وروى أبو عمر بسنده إلى مجمّع التميمى أن عليا رضى الله عنه قسم ما فى بيت المال بين المسلمين، ثم أمر به فكنس، ثم صلّى فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة.
وبسنده إلى سفيان عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: قدم على علىّ المال من أصبهان، فقسمه سبعة أسباع، ووجد فيه رغيفا فقسمه سبع كسر، وجعل على كل جزء كسرة، ثم أقرع بينهم:
أيّهم يعطى أولا.
وعن معاذ بن العلاء عن أبيه عن جده قال: سمعت على بن أبى طالب يقول: ما أصبت فيكم إلا هذه القارورة أهداها إلىّ الدهقان، ثم نزل إلى بيت المال ففرّق كلّ ما فيه، ثم جعل يقول:
أفلح من كانت له قوصرّهيأكل منها كل يوم تمره
وعن عنترة الشيبانى قال: كان على رضى الله عنه يأخذ الجزية والخراج من أهل كل صناعة من صناعته وعمل يده، حتى يأخذ من أهل الإبر والمسالّ والخيوط والحبال، ثم يقسمه بين الناس، ولا يدع فى بيت المال مالا يبيت فيه حتى يقسمه، إلا أن يغلبه شغل، فيصبح إليه وهو يقول. يا دنيا لا تغرّينى وغرّى غيرى.
وكان رضى الله عنه لا يخصص بالولايات إلا أهل الديانات والأمانات، وإذا بلغه عن أحدهم خيانة كتب إليه: قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ»
وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
إذا أتاك كتابى هذا فاحتفظ بما فى يديك من عملنا حتى نبعث إليك من يتسلمه منك.
ثم يرفع طرفه إلى السماء فيقول: اللهم إنك تعلم أنى لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك.
ومواعظه رضى الله عنه ووصاياه لعماله إذ كان يخرجهم إلى أعماله كثيرة مشهورة، وقد قدّمنا منها فى الباب الرابع، من القسم الخامس، من الفن الثانى، من كتابنا هذا، ما تقف عليه هناك، وهو فى السفر السادس من هذه النسخة.
قال أبو عمر بن عبد البر: قد ثبت عن الحسن بن علىّ رضى الله عنهما من وجوه أنه قال: لم يترك أبى إلا ثمانمائة درهم أو سبعمائة درهم فضلت من عطائه، كان يعدّها لخادم يشتريها لأهله وأمّا تقشفه فى لباسه ومطعمه، فكان من ذلك على الغاية القصوى.
روى عن عبد الله بن أبى الهذيل قال: رأيت عليا رضى الله عنه خرج وعليه قميص غليظ دارس، إذا مدّ كمّه بلغ إلى الظفر، وإذا أرسله صار إلى نصف الساعد. وعن الحسن بن جرموز عن أبيه قال:
رأيت على بن أبى طالب رضى الله عنه يخرج من مسجد الكوفة وعليه قطريّتان، مؤتزرا بالواحدة مرتديا بالأخرى، وإزاره إلى نصف الساق، وهو يطوف فى الأسواق، ومعه درّة يأمرهم بتقوى الله وصدق
الحديث، وحسن البيع، والوفاء بالكيل والميزان. وعن [إسحاق بن]
كعب بن عجرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ «علىّ مخشوشن فى ذات الله تعالى
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع