تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر خروج عبد الله بن على وقتاله وهزيمته

كان عبد الله بن علىّ قدم على السفاح، فجعله على الصائفة وسيّر معه أهل الشام وخراسان، فسار حتى بلغ دلوك ولم يدرب، فأتاه الخبر بوفاة السفاح وبيعة المنصور، فرجع وبايع لنفسه وأعلم الناس أن السفاح لما وجّه الجنود إلى مروان بن محمد دعا أهل بيته، وقال: من انتدب منكم لقتال مروان وسار إليه فهو ولى عهدى، فلم ينتدب غيرى وعلى هذا خرجت من عنده، وقتلت من قتلت، وشهد له أبو غانم الطائى وخفاف المروروزى وغيرهما من القواد فبايعوه، ومنهم حميد بن قحطبة وغيره، ثم سار عبد الله حتى أتى حرّان، وبها مقاتل العكى قد استخلفه أبو جعفر لما سار إلى مكة، فتحصّن منه مقاتل فحصره أربعين يوما، وكان أبو مسلم قد عاد من

الحج مع المنصور كما ذكرناه، فقال للمنصور: إن شئت جمعت ثيابى فى منطقتى وخدمتك، وإن شئت أتيت خراسان وأمددتك بالجنود، وإن شئت سرت إلى حرب عبد الله بن على، فأمره بالمسير لحرب عبد الله، فسار نحوه فى الجنود ولم يتخلف عنه أحد، فلما بلغ عبد الله إقبال أبى مسلم الخراسانى أعطى العكّى أمانا، فنزل إليه فيمن معه فوجّهه إلى عثمان بن عبد الأعلى الأزدى بالرقة، ومعه ابناه، وكتب معه كتابا، فلما قدموا على عثمان دفع العكّى الكتاب إليه فقتله واحتبس أولاده، قال: وخشى عبد الله ألا يناصحه أهل خراسان فقتل منهم نحوا من سبعة عشر ألفا، واستعمل حميد بن قحطبة على حلب، وكتب معه كتابا إلى زفر بن عاصم يأمره بقتل حميد إذا قدم عليه، فلما كان ببعض الطريق قرأه، فإذا فيه قتله، فأعلم خاصته بما فيه وانقلب إلى العراق على الرصافة، فتبعه ناس كثير، وأمر المنصور محمد بن صول بالمسير إلى عبد الله بن علىّ ليمكر به، فلما أتاه قال له: سمعت أبا العباس يقول: الخليفة بعدى عمى عبد الله، فقال له:

كذبت إنما وضعك أبو جعفر وضرب عنقه، ثم أقبل عبد الله حتى نزل نصيبين وخندق عليه، وقدم أبو مسلم ناحية نصيبين وأخذ طريق الشام ولم يعرض لعبد الله، وكتب إليه: لم أومر بقتالك، وإنما أمير المؤمنين ولّانى الشام، فأنا أريدها، فقال من كان مع عبد الله من أهل الشام له: كيف نقيم معك؟ وهذا يأتى بلادنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا، ويسبى ذرارينا، ولكنّا نخرج إلى بلادنا فنمنعه ونقاتله، فقال لهم عبد الله: والله ما يريد الشام وما توجّه إلا لقتالكم، ولئن أقمتم ليأتينّكم، فأبوا إلا المسير إلى الشام، فارتحل عبد الله نحو الشام، فنزل أبو مسلم فى معسكر عبد الله،

وغوّر ما حوله من المياه، فقال لأصحابه: ألم أقل لكم، ورجع فنزل فى مكان عسكر أبى مسلم الذى كان به أولا، ثم التقوا واقتتلوا خمسة أشهر عدة وقعات، حتى كادت الهزيمة تكون على أصحاب أبى مسلم، وانهزم بعضهم، فكان أبو مسلم يرتجز فى ذلك فيقول:

من كان ينوى أهله فلا رجعفرّ من الموت وفى الموت وقع

فلما كان يوم الثلاثاء أو الأربعاء لسبع خلون من جمادى الآخرة سبع وثلاثين التقوا واقتتلوا، فانهزم أصحاب عبد الله وتركوا معسكرهم فحواه أبو مسلم، وكتب بذلك إلى المنصور، فأرسل أبا الخصيب مولاه يحصى ما أصابوا من العسكر، فغضب أبو مسلم. قال: ومضى عبد الله وعبد الصمد ابنا علىّ، فقدم عبد الصمد الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى المنصور، وأما عبد الله فإنه أتى أخاه سليمان بن علىّ بالبصرة، فأقام عنده زمانا متواريا.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.