من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وفاة أبى جعفر المنصور
كانت وفاته يوم السبت لست خلون من ذى الحجة من هذه السنة ببئر ميمون على أميال من مكة، قال المؤرخ: ورأى المنصور قبل وفاته بيسير أعاجيب كثيرة، ومواعظ مؤذنة بوفاته، منها أنه هتف به هاتف فى قصره فسمعه يقول:
أما ورب السكون والحركإن المنايا كثيرة الشرك
عليك يا نفس إن أسأت وإنأحسنت فى اليوم كان ذاك لك
ما اختلف الليل والنهار ولادارت نجوم السماء فى فلك
إلا لنقل السلطان عن ملكقد انقضى ملكه إلى ملك
حتى يصيّرانه إلى ملكما عزّ سلطانه بمشترك
ذاك بديع السماء والأرض والمرسى الجبال المسخر الفلك
فلما سمع المنصور ذلك قال: هذا أوان أجلى، قال الطبرى - وقد حكى عبد العزيز بن مسلم قال: دخلت على المنصور يوما عليه، فإذا هو باهت لا يحير جوابا، فوثبت لأنصرف لما أراه منه، فقال بعد ساعة: إنى رأيت فى المنام كأن رجلا ينشدنى:
أأخىّ أخفض من مناكافكأنّ يومك قد أتاكا
ولقد أراك الدهر منتصريفه ما قد أراكا
فإذا أردت الناقص العبد الذليل فأنت ذاكا
ملكت ما ملكتهوالأمر فيه إلى سواكا
فهذا ما ترى من قلقى وغمى، فقلت: خيرا رأيت يا أمير المؤمنين، ولم يلبث أن خرج إلى مكة، ومن ذلك أنّه لما نزل آخر منزل نزله من طريق مكة نظر فى صدر البيت الذى نزل فيه فإذا فيه مكتوب:
أبا جعفر حانت وفاتك وانقضتسنوك وأمر الله لا بد واقع
أبا جعفر هل كاهن أو منجملك اليوم من حرّ المنية مانع
فدعا المتولى لإصلاح المواضع فقال: ألم آمرك ألا يدخل أحد من الدعاة هذا البيت؟! فحلف أنه لم يدخله أحد، فقال: اقرأ ما فى صدر هذا البيت، قال: ما أرى شيئا، فالتفت إلى حاجبه وقال: اقرأ آية من كتاب الله تعالى تشوقنى إلى لقائه، فقرأ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
، فقال له: ما وجدت آية غير هذه الآية، قال: والله لقد محى القرآن من قلبى غيرها.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع