من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وفاة المنتصر بالله
كانت وفاته يوم السبت لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين، وقيل يوم الأحد وهو لخمس خلون منه. وكانت علّته الذبحة فى حلقه، أخذته يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الأول، وقيل كانت علّته من ورم فى معدته ثم صعد إلى فؤاده فمات، وقيل إنّه وجد حرارة فدعا بعض أطبائه، ففصده بمبضع مسموم فمات، وانصرف الطبيب إلى منزله وقد وجد حرارة، فدعا تلميذا له ليفصده، ووضع مباضعه بين يديه ليتخيّر أجودها، فأخذ ذلك المبضع المسموم- وقد نسيه الطبيب- ففصده به، فلما فرغ نظر إليه فعرفه، فأيقن بالهلاك ووصّى من ساعته ومات، وقيل غير ذلك.
قال: ولما أفضت الخلافة إليه كان كثير من الناس يقولون: إنما مدة خلافته ستة أشهر- مدة شيرويه بن كسرى قاتل أبيه، يقولها الخاصة والعامة. وقيل إنّ المنتصر رأى فى منامه رؤيا فانتبه وهو يبكى وينتحب، فسمعه عبد الله بن عمر البازيار فأتاه، فسأله عن سبب بكائه فقال: رأيت فيما يرى النائم المتوكل قد جاءنى وهو يقول: ويحك يا محمد: قتلتنى وظلمتنى وغبنتنى خلافتى، والله لا متّعت بها أبدا إلا أياما يسيرة، ثم مصيرك إلى النار، فقال له عبد الله: هذه رؤيا وهى تصدق وتكذب، بل يعمّرك الله ويسرك، ادع بالنبيذ وخذ فى اللهو ولا تعبأ بها، ففعل ذلك ولم يزل منكسرا حتى مات. وروى أبو الفرج بن الجوزى بسنده عن على بن يحيى المنجم قال: جلس المنتصر بالله فى مجلس كان أمر أن يفرش له، وكان
فى بعض البسط دائرة كبيرة، فيها مثال فرس وعليه راكب وعلى رأسه تاج، وحوالى الدائرة كتابة بالفارسية، فلما جلس المنتصر وجلس الندماء ووقف على رأسه وجوه الموالى والقواد نظر إلى تلك الدائرة وإلى الكتابة التى حولها، فقال لبغا: إيش هذا الكتاب ؟ فقال: لا أعلم يا سيدى، فسأل من حضر من الندماء، فلم يحسن أحد أن يقرأه، فالتفت إلى وصيف وقال: احضر لى من يقرأه، فأحضر رجلا فقرأ الكتابة وقطب، فقال له المنتصر: ما هو؟ فقال له: يا أمير المؤمنين ليس له معنى، فألحّ عليه وغضب، فقال: يقول- أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز قتلت أبى فلم أمتّع بالملك إلا ستة أشهر، فتغيّر وجه المنتصر وقام عن مجلسه إلى النساء، فلم يمكث إلا ستة أشهر ومات. وكانت خلافته ستة أشهر ويومين، وقيل ستة أشهر سواء، وعمره خمس وعشرون سنة وستة أشهر، وقيل أربع وعشرون سنة، ووفاته بسامرا. ولما حضرته الوفاة أنشد:
فما فرحت نفسى بدنيا أخذتهاولكن إلى الرب الكريم أصير
وصلّى عليه أحمد بن المعتصم. وكان مربوعا أسمر أعين حسن الوجه ذا شهامة وشدّة. وكان له أربعة أولاد ذكور. وزيره: أحمد بن الخصيب.
حجابه: وصيف ثم بغا ثم ابن المرزبان ثم أوتامش. قاضيه: جعفر العباسى. أمير مصر: يزيد بن عبد الله. قاضيها: بكّار.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع