من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر خلافة المقتدر بالله
هو أبو الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبى العباس أحمد- وقد تقدّم ذكر نسبه- وأمّه أمّ ولد اسمها شغب! وهو الثامن عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين وعمره يومذاك ثلاث عشرة سنة.
قال ابن الأثير: كان سبب ولاية المقتدر أنّ المكتفى لما ثقل مرضه فكّر الوزير أبو العباس بن الحسن فيمن يصلح للخلافة، فاستشار محمد بن داود الجراح فى ذلك فأشار بعبد
الله بن المعتز ووصفه بالعقل والرأى والأدب، واستشار بعده أبا الحسن بن الفرات فامتنع، وقال: هذا شىء ما جرت عادنى أشير به، وإنما أشاور فى العمال لا فى الخلفاء! فغضب الوزير وقال: هذه مقاطعة وليس يخفى عليك الصحيح! وألحّ عليه فقال: إن كان رأى الوزير قد استقرّ على أحد فليفعل.
فعلم أنه عنى ابن المعتز لاشتهار خبره، فقال الوزير: لا أقنع إلا أن تمحضنى النصيحة! وألحّ عليه فقال ابن الفرات: فليتّق الله الوزير ولا ينصب إلا من قد عرفه واطّلع على جميع أحواله، ولا ينصب بخيلا فيضيّق على الناس ويقطع أرزاقهم، ولا طامعا فيشره فى أموالهم فيصادرهم ويأخذ أملاكهم وأموالهم، ولا قليل الدّين فلا يخاف العقوبة والآثام ويرجو الثّواب فيما يفعله، ولا من قد عرف دار هذا ونعمة هذا وبستان هذا وضيعة هذا وفرس هذا، ومن قد لقى الناس ولقوه وعاملهم وعاملوه وتحنّك وحسب حساب الناس وعرف وجوه دخلهم وخرجهم! فقال الوزير: صدقت ونصحت، فيمن تشير؟ قال:
أصلح الموجودين جعفر بن المعتضد بالله. قال: ويحك هو صبى! قال: إلا أنه ابن المعتضد، ولم نأتى برجل يباشر الأمور
بنفسه غير محتاج إلينا؟ فمالت نفس الوزير إلى ذلك، وانضاف إليه وصيّة المكتفى له بالأمر. فلما مات المكتفى بالله أرسل الوزير صافيا الحرمىّ ليحدر المقتدر من داره الغربى.
فركب فى الحراقة وانحدر. فلما صارت الحرّاقة مقابل دار الوزير صاح غلمان الوزير بالملّاح ليدخل إلى دار الوزير، فظنّ صافى الحرمىّ أنه يريد القبض على جعفر وينصب فى الخلافة غيره، فمنع الملّاح من ذلك. وسار إلى دار الخلافة وأخذ له صافى البيعة على جميع الخدم وحاشية الدّار، ولقب نفسه المقتدر بالله ولحق الوزير به وجماعة الكتاب فبايعوه ثم جهزوا- جماعة الكتاب- المكتفى ودفنوه.
قال: وكان فى بيت المال حين بويع خمسة عشر ألف ألف دينار، فأطلق يد الوزير فى بيت المال فأخرج حقّ البيعة! قال: ثم استصغر الوزير المقتدر، فعزم على خلعه وتقليد الخلافة أبا عبد الله بن المعتمد على الله. فراسله فى ذلك واستقرّت الحال، وانتظر الوزير قدوم بارس حاجب إسماعيل صاحب
خراسان، وكان قد أذن له فى القدوم وأراد أن يستعين به على ذلك ويتقوّى به على غلمان المعتضد بالله، فتأخّر بارس.
واتّفق أنه وقع بين أبى عبد الله بن المعتمد وبين ابن عمرويه- صاحب الشرطة- منازعة فى ضيعة مشتركة بينهما، فأغلظ له ابن عمرويه، فغضب ابن المعتمد غضبا شديدا وأغمى عليه، وفلج فى المجلس فحمل إلى بيته فى محفّة فمات فى اليوم الثانى.
فأراد الوزير البيعة لأبى الحسن بن المتوكل فمات أيضا بعد خمسة أيام، وتمّ أمر المقتدر. وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الله الهاشمى ودخلت سنة ستّ وتسعين ومائتين:
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع