من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر بناء مدينة القيروان
قال المؤرخون: لما أراد عقبة بن نافع بناء مدينة القيروان وأجابه المسلمون إلى ذلك، أتى بهم إلى موضعها، وهو إذ ذاك شعارى لا تسلك وقال: «شأنكم». فقالوا له: «إنك أمرتنا بالبناء فى شعارى وغياض لا تسلك ولا ترام، ونحن نخاف من السباع والحيات وغير ذلك من خشاش الأرض». وكان عقبة مستجاب الدعوة، فدعا الله ﷿. وجعل أصحابه يؤمّنون على دعائه. وكان فى عسكره ثمانية عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فجمعهم ونادى: «أيتها الحيات والسباع، نحن أصحاب رسول الله ﷺ، ارحلوا عنّا إنا نازلون. ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه». فنظر الناس فى ذلك اليوم إلى السباع تحمل أشبالها، والذئاب تحمل أجراءها، والحيات تحمل أولادها. فأسلم كثير من البربر. ونادى عقبة فى الناس «كفّوا عنهم حتى يرتحلوا عنا». فلما خرج ما فيها من ذلك، جمع عقبة وجوه أصحابه ودار بهم حول المكان وأقبل يدعو الله ويقول: «اللهم املأها علما وفقها، واعمرها بالمطيعين والعابدين، وامنعها من جبابرة الأرض». ثم نزل عقبة الوادى.
وأمر الناس أن يختطوا ويقلعوا الشجر. قال: فأقام أهل إفريقية بعد ذلك أربعين سنة لا يرون بها حية ولا عقربا.
قال: واختط دار الإمارة والمسجد الأعظم، ولم يحدث فيه بناء، وكان يصلى فيه وهو كذلك. فاختلف الناس فى القبلة وقالوا: «إن أهل الغرب يضعون قبلتهم على قبلة هذا المسجد، فاجهد نفسك فى أمرها». فأقاموا مدة ينظرون إلى مطالع الشتاء والصيف من النجوم ومشارق الشمس. فلما رأى عقبة الاختلاف اهتم لذلك وسأل الله تعالى، فأتاه آت فى منامه فقال له: «يا ولىّ رب العالمين، إذا أصبحت فخذ اللواء واجعله على عنقك، فإنك تسمع بين يديك تكبيرا لا يسمعه غيرك. فالموضع الذى ينقطع عنك التكبير فهو قبلتك ومحرابه مسجدك. وقد رضى الله ﷿ أمر هذه المدينة وهذا المسجد. وسوف يعزّ بها دينه ويذل بها من كفره إلى آخر الدهر».
فاستيقظ من منامه وقد جزع جزعا شديدا. فتوضأ وأخذ فى
الصلاة فى المسجد وهو لم يبن بعد، ومعه أشراف الناس. فلما طلع الفجر وركع عقبة سمع التكبير بين يديه. فقال لمن حوله:
«ألا تسمعون؟» قالوا: «لا نسمع شيئا». فقال: «إن الأمر من عند الله ﷿». وأخذ اللواء ووضعه على عاتقه. وأقبل يتتبع التكبير بين يديه حتى انتهى إلى محراب المسجد. فانقطع التكبير فركز لواءه وقال: «هذا محرابكم». ثم أخذ الناس فى بنيان الدور والمساكن والمساجد فعمرت. وكان دورها ثلاثة آلاف باع وستمائة باع. فكملت فى سنة خمس وخمسين. وسكنها الناس وعظم قدرها. وكان فى موضع القيروان حصن لطيف للروم يسمى قمونية.
قال: ودبر عقبة أمر إفريقية أحسن تدبير إلى أن عزل معاوية ابن أبى سفيان معاوية بن حديج عن مصر وولى مسلمة بن مخلّد الأنصارى مصر وإفريقية.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع