من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ولاية أبى العباس عبد الله ابن ابراهيم بن الأغلب
قال: لما مات إبراهيم بن الأغلب، صار الأمر بعده إلى ابنه أبى العباس عبد الله، وكان إذ ذاك بطرابلس، فقام له
أخوه زيادة الله بالأمر، وأخذ له البيعة على نفسه وأهل بيته وجميع رجاله. وقدم عبد الله من طرابلس فى صفر سنة سبع وتسعين ومائة. فتلقاه زيادة الله وسلم إليه الأمر.
قال: فحمل عبد الله فى ولايته على أخيه زيادة الله حملا شديدا وتنقصه، وأمر بإطلاق من كان فى حبسه. وزيادة الله مع ذلك يظهر له التعظيم والتبجيل.
وأراد عبد الله أن يحدث جورا عظيما على الرعية فأهلكه الله ﷿ قبل ذلك. وكان قد أمر صاحب خراجه أن لا يأخذ من الناس العشر، ولكن يجعل على كل زوج تحرث ثمانية دنانير أصاب أم لم يصب. فاشتد ذلك على الرعية وسألوه فلم يجب سؤالهم. وقدم حفص بن حميد الجزرى، ومعه قوم صالحون من أهل الجزيرة وغيرها. فاستأذنوا على أبى العباس فأذن لهم. فدخلوا عليه- وكان من أجمل الناس- فكلمه حفص ابن حميد فكان فيما قال له: «أيها الأمير، اتق الله فى شبابك، وارحم جمالك وأشفق على بدنك من النار. ترى على كل زوج يحرث به ثمانية دنانير. فأزل ذلك عن رعيتك، وخذ فيهم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ. فإن الدنيا زائلة عنك كما زالت عن غيرك». فلم يجبه إلى شىء مما أراد. وتمادى على سوء فعله وأظهر الاستخفاف بهم. فخرج حفص بن حميد ومن
معه فتوجهوا نحو القيروان. فلما صاروا بوادى القصارين قال لهم حفص: «قد يئسنا من المخلوقين فلا نيأس من الخالق».
فسألوا الله وتضرعوا إليه، فدعوا الله على أبى العباس أن يمنعه مما أراده بالمسلمين ويكف جوره عنهم. ثم دخلوا مدينه القيروان، فخرجت لأبى العباس قرحة تحت أذنه فقتلته فى اليوم السابع من دعائهم واسود لونه. وكانت وفاته ليلة الجمعة لست خلون من ذى الحجة سنة إحدى ومائتين.
فكانت مدة ولايته خمس سنين وشهرا واحدا وأربعة عشر يوما.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع