من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ملك تميم مدينة قابس
وفى سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ملك تميم مدينة قابس، وأخرج منها أخاه عمرو بن المعز. وكان أهلها ولّوه عليها بعد موت قاضى ابن إبراهيم بن بلمويه. فلم يحسن عمرو السياسة ولا نهض بشرط الولاية. وكان قاضى بن إبراهيم عاصيا على تميم، وتميم يعرض عنه. فسلك عمرو طريقته فى العصيان، فأخرج تميم العساكر إلى أخيه ليأخذ قابس منه. فقال له أصحابه: «يا مولانا، لما كان فيها قاضى توانيت عنه وتركته، فلما صار أمرها إلى أخيك جردت إليه العساكر!» فقال: «لما كان فيها عبد من عبيدنا كان زواله سهلا علينا. وأما الآن فابن المعز بالمهدية وابن المعز بقابس. هذا لا يمكن السكوت عليه».
وفى فتحها يقول ابن خطيب سوسة قصيدته المشهورة التى أولها:
ضحك الزمان وكان يلفى عابسالما فتحت بحد سيفك قابسا
أنكحتها بكرا وما أمهرتهاإلا قنا وصوارما وفوارسا
الله يعلم ما جنيت ثمارهاإلا وكان أبوك قبل الفارسا
من كان بالسّمر العوالى خاطباجليت له بيض الحصون عرائسا
فأبشر تميم بن المعز بفتكةتركتك فى أكناف قابس قابسا
ولّوا فكم تركوا هناك مصانعاومقاصرا ومخالدا ومجالسا
فكأنها قلب وهنّ وساوسجاء اليقين فذاد عنه وساوسا
وفى سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، فتح تميم جزيرة جربة وجزيرة قرقنة ومدينة تونس. وكان بإفريقية غلاء شديد هلك فيه كثير من الناس.
وفى سنة ثلاث وتسعين، فتح تميم مدينة سفاقس. وخرج
منها حمو بن مليل هاربا فقصد مكن بن كامل الدّهمانى، فأحسن إليه وأقام عنده حتى مات. وكان حمو قد تغلب عليها واشتد أمره بوزير كان عنده من كتاب المعز حسن الرأى والتدبير والسياسة، فاستقامت به دولته وعظم شأنه. فأرسل إليه تميم وبالغ فى استمالته ووعده بكل جميل فلم يقبل. فاشتد أمره على تميم فسير جيشا إلى حصار سفاقس. وأمر مقدم الجيش أن يهدم ما حول المدينة ويحرقه ويقطع الأشجار سوى ما يتعلق بذلك الوزير، فإنه لا يتعرض إليه ويبالغ فى صيانته، ففعل ذلك. فلما رأى حمو ذلك اتهمه وقتله. فانحل نظام دولته وتسلم عسكر تميم البلد.
وفى سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، مات المنصور بن الناصر بن علناس، وولى بعده ولده باديس. ثم مات بعد يسير فولى أخوه العزيز بالله.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع