من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر حيلة لأمير المسلمين ظهرت ظهورا عجيبا
قال، كان بالمغرب إنسان اسمه محمد بن إبراهيم الكزولى سيد قبيلة كزولة، ملك جبلها، وهو جبل شامخ منيف، وهى قبيلة كبيرة وكان بينه وبين يوسف بن تاشفين مودة واجتماع. فلما كان فى سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، أرسل يوسف إليه يطلب الاجتماع به.
فركب حتى قاربه ثم رجع وخافه على نفسه. فكتب إليه أمير المسلمين يحلف أنه ما أراد به سوءا ولا قصد إلا خيرا. فلم يرجع لذلك.
فدعا يوسف حجاما وأعطاه مائة دينار وضمن له مثلها إن سار إلى محمد بن إبراهيم وتحيّل فى قتله. فسار الحجام ومعه مشاريط.
مسمومة فصعد الجبل. وجعل ينادى بالقرب من مساكن محمد.
فسمعه فقال: «هذا الحجام من بلدنا؟» فقيل: «إنه غريب».
فقال: «أراه يكثر الصياح، وقد ارتبت منه». فأحضره عنده.
واستدعى حجاما غيره وأمره أن يحجمه بمشاريطه التى معه. فامتنع الحجام الغريب. فأمسك وحجم بها، فمات. فلما بلغ ذلك يوسف ازداد غيظا وحنقا، ولج فى السعى فى أذى يوصله إلى الكزولى.
فاستمال قوما من أصحابه فمالوا إليه. فأرسل إليهم جرارا من عسل مسموم. فحضروا عند محمد وقالوا: «قد وصل إلينا قوم معهم جرار من عسل، وأردنا إتحافك به». وأحضروها بين يديه.
فلما قدمت له أمر بإحضار خبز، وأمر أولئك القوم الذين أحضروا العسل أن يأكلوا منه فامتنعوا واستعفوا من الأكل. فقال: «من لم يأكل منه قتل بالسيف». فأكلوا فماتوا عن آخرهم.
فكتب إلى أمير المسلمين: «إنك قد أردت قتلى بكل سبب فلم يظفّرك الله، وكشف لى عن سريرتك. وقد أعطاك الله المغرب بأسره، ولم يعطنى إلا هذا الجبل. وهو فى بلادك كالشامة البيضاء فى الثور الأسود. فلم تقنع بما أعطاك الله ﷿».
فكفّ أمير المسلمين عنه.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع