من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر احراق قنطرة صاحب الزنج
قال: ولما اشتغل الموفّق بعلّته أعاد صاحب الزنج القنطرة التى غرق عندها نصير، وزاد فيها وأحكمها ونصب دونها أدقال ساج، وألبسها الحديد وسكر أمامها سكرا من حجارة، ليضيق المدخل على الشذا وتحتدّ جرية الماء في النهر، فندب الموفّق أصحابه، وندب طائفة من شرقىّ نهر أبى الخصيب وطائفة من غربيّه، وأرسل النجّارين والفعلة لقطع القنطرة وما جعل أمامها، وأمر بسفن مملوءة قصبا أن يصبّ عليها النفط، وتدخل النهر ويلقى فيها النار لتحرق الجسر، وفرّق جنده على أصحاب صاحب الزنج، ليمنعوهم من معاونة من عند القنطرة، فسار الناس إلى ما أمرهم به، وذلك في عاشر شوّال، وتقدّمت الطائفتان إلى الجسر فلقيهما انكلاى ابن صاحب الزنج وعلى بن أبان وسليمان بن جامع، واشتبكت الحرب ودامت وحامى أولئك عن القنطرة، لعلمهم بما عليهم في قطعها من الضرر، ودامت الحرب على القنطرة إلى العصر، ثم إنّ غلمان الموفّق أزالوا الزنج عن القنطرة، وقطعها النجّارون ونقضوها وما كان عمل
من الأدقال الساج، وكان قطعها قد تعذّر عليهم فأدخلوا تلك السفن التى فيها القصب والنفط وأضرموها نارا، فوافت القنطرة فأحرقنها فوصل النجّارون بذلك إلى ما أرادوا، وأمكن أصحاب الشذا دخولهم النهر فدخلوا، وقتلوا الزنج حتى أجلوهم عن مواقفهم إلى الجسر الأوّل الذى يتلو هذه القنطرة، وقتل من الزنج كثير واستأمن كثير، ووصل أصحاب الموفّق إلى الجسر وقت المغرب، فكره الموفّق أن يدركهم الليل فأمرهم بالرجوع، وأثاب المحسن على قدر احسانه ليزدادوا جدا فى حرب عدوّه، وأخرب من العد برجين حجارة كانوا عملوهما، ليمنعوا الشذا من الخروج منه إذا دخلته، فلما أخربهما سهل له ما أراد من دخول النهر والخروج منه.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع