تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر مسير الموفق لقتال الزنج وفتح المنيعة

قال: وفي سنة سبع وستين ومائتين أيضا سار الموفّق عن بغداد إلى واسط لحرب الزنج، وجمع وحشد الفرسان والرجّالة واستكثر من العدّة، وسدّ الجهات التى يخاف منها لئلا يبقى له ما يشغل قلبه وكان صاحب الزنج قد أرسل إلى علىّ بن أبان المهلبىّ، يأمره أن يجتمع مع سليمان بن جامع على حرب أبى العبّاس بن الموفّق، فخاف الموفّق وهنا يتطرق إلى ابنه أبى العبّاس، فسار عن بغداد في صفر سنة سبع وستين فوصل إلى واسط في شهر ربيع الأوّل، فلقيه ابنه فأخبره بحال جنده وقوّاده فخلع عليه وعليهم، ورجع أبو العبّاس إلى معسكره بالعمر، ثم نزل الموفّق على نهر بسنداد بازاء قرية عبد الله، وأمر ابنه فنزل شرقىّ دجلة بازاء فوّهة بردودا، وولّاه مقدّمته وأعطى الجيش أرزاقهم، وأمر ابنه أن يسير بما معه من الآلات الحربية إلى فوّهة برمساور، فرحل في نخبة أصحابه، ورحل الموفّق بعده فنزل قوّهة برمساور، فأقام يومين ثم وصل إلى المدينة التى سماها صاحب الزنج- المنيعة- من سوق الخميس يوم الثلاثاء لثمان خلون من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين، وسلك بالسفن في برمساور وسارت الخيل شرقيّه حتى حاذوا براطق، الذى يوصل إلى المنيعة، وأمر

أن تعبر الخيل لتصير من الجانبين، وأمر ابنه أبا العبّاس بالتقدّم بالشذاوات بعامة الجيش، ففعل فلقيه الزنج فحاربوه حربا شديدة، ووافاهم أبو أحمد الموفّق والخيل من جانبى النهر، فلما رأوا ذلك انهزموا وتفرّقوا، وعلا أصحاب أبى العبّاس السور ووضعوا السيوف فى من لقيهم، ودخلوا المنيعة فقتلوا بها خلقا كثيرا، وأسروا عالما عظيما، وغنموا ما كان فيها، وهرب الشعرانى ومن معه وتبعه أصحاب الموفّق إلى البطائح، فغرق منهم خلق كثير ولجأ الباقون إلى الآجام، ورجع الموفّق إلى معسكره من يومه، وقد استنقذ من المسلمات زهاء خمسة آلاف امرأه، سوى من ظفر به من الزنجيّات، وأمر بحفظ النساء وحملهنّ إلى واسط ليدفعن إلى أهلهنّ، ثمّ بكّر إلى المدينة وأمر الناس بأخذ ما فيها فأخذ جميعه، وأمر بهدم سورها وطمّ خندقها واحراق ما بقى فيها من السفن، وأخذوا من الطعام والشعير والأرز شيئا كثيرا، فأمر ببيع ذلك وصرفه إلى الجند.

قال: ولما انهزم سليمان لحق بالمذار، وكتب إلى صاحب الزنج بذلك، فورد الكتاب عليه- وهو يتحدّث- فانحلّ بطنه فقام إلى الخلاء دفعات، وكتب إلى سليمان بن جامع يحذّره مثل الذى نزل بالشّعرانىّ ويأمره بالتيقّظ. قال: وأقام الموفّق ببر مساور يومين يتعرّف أخبار الشّعرانىّ وسليمان بن جامع، فأتاه من أخبره أن سليمان بن جامع بالحوانيت، فسار حتى وافى الصينيّة، وأمر ابنه أبا العبّاس بالتقدّم بالشذاوات والسميريّات إلى الحوانيت، فسار أبو العبّاس إليها فلم ير سليمان بها، ورأى هناك جمعا من الزنج مع قائدين لهم، خلّفهم سليمان بن جامع هناك لحفظ غلّات كثيرة لهم فيها، فحاربهم أبو

العبّاس إلى أن حجز بينهم الليل، واستأمن إلى أبى العبّاس رجل، فسأله عن سليمان بن جامع فأخبره أنّه مقيم بطهيثا بمدينته التى سماها المنصورة، فعاد أبو العبّاس إلى أبيه بالخبر، فأمره بالمسير إليه فسار حتى نزل بردوا، فأقام بها لاصلاح ما يحتاج إليه، واستكثر من الآلات التى يسدّ بها الأنهار ويصلح بها الطرق للخيل، وخلّف ببردودا بغراج التركى.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.