تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر دخول الزنج رامهرمز

وفي سنه ست وستين ومائتين دخل علىّ والزنج رامهرمز، وسبب ذلك أن محمد بن عبيد الله كان يخاف علىّ بن أبان، لما في نفس علىّ منه لما ذكرناه، فكتب إلى انكلاى ابن صاحب الزنج، وسأله أن يسأل أباه ليرفع يد علىّ عنه ويكون إلى نفسه، فزاد ذلك غيظ علىّ منه، وكتب إلى صاحب الزنج بالايقاع بمحمد، ويجعل ذلك الطريق إلى مطالبته بالخراج، فأذن له فكتب إلى محمد يطلب منه حمل الخراج، فمطله ودافعه فسار إليه علىّ وهو برامهرمز، فهرب محمد عنها ودخلها علىّ والزنج فاستباحها، ولحق محمد بأقصى معاقله، وانصرف علىّ غانما، وخاف

محمد فكتب إليه يطلب المسالمة، فأجابه إلى ذلك على مال يؤديه إليه، فحمل إليه مائتى ألف درهم فأنفذها إلى صاحب الزنج، وأمسك عن محمد بن عبيد الله وأعماله.

وفيها كانت وقعة للزنج انهزموا فيها، وكان سببها أن محمد بن عبيد الله كتب إلى علىّ بن أبان بعد الصلح يسأله المعونة على طائفة من الأكراد، على أن يجعل له ولأصحابه غنائمهم، فكتب علىّ إلى صاحبه يستأذنه، فكتب إليه أن: وجّه إليه جيشا وأقم أنت، ولا تنفذ حتى تستوثق منه بالرهن، ولا تأمن غدره والطلب بثأره، فكتب علىّ إلى محمد يطلب منه اليمين والرهائن، فبذل له اليمين ومطله بالرهائن، فلحرص علىّ على الغنائم أنفذ إليه جيشا، فسير محمد معهم طائفة من أصحابه إلى الأكراد، فخرج إليهم الأكراد فقاتلوهم ونشبت الحرب، فتخلى أصحاب محمد عن الزنج فانهزموا، وقتلت الأكراد منهم خلقا كثيرا، وكان محمد قد أعدّ لهم من يتعرض لهم إذا انهزموا، فأوقعوا بهم وسلبوهم وأخذوا دوابّهم، ورجعوا بأسوأ حال، فكتب علىّ إلى صاحب الزنج يعرّفه فقال: ضيّعت أمرى في ترك الرهائن، وكتب إلى محمد يتهدّده فخاف محمد، وكتب يخضع ويذل وردّ بعض الدواب، وقال: إنّنى كبست من كانت عندهم، وخلّصت هذه منهم، فأظهر صاحب الزنج الغضب عليه، فأرسل محمد إلى بهبوذ ومحمد بن يحيى الكرمانىّ، وكان أقرب الناس إلى علىّ، فضمن لهما ما لا إن أصلحا له عليا وصاحبه ففعلا ذلك، وأجابهما صاحب الزنج بالرضا عن محمد، على أن يخطب له على منابر بلاده، فأعلما محمدا ذلك فأجابهما إلى جميع ما طلبا، وجعل

براوغ في الدعاء له على المنابر، ثم إنّ عليا استعدّ لمتّوث وسار إليها فلم يظفر بها، فرجع وعمل السلاليم والآلات التى يصعد بها إلى السور، واستعدّ لقصدها فعرف ذلك مسرور البلخى، وهو يومئذ بكور الأهواز، فلما سار علىّ إليها سار إليه مسرور، فوافاه قبل المغرب وهو نازل عليها، فلما عاين الزنج أوائل خيل مسرور انهزموا أقبح هزيمة، وتركوا ما كانوا أعدّوه وقتل منهم خلق كثير، وانصرف علىّ مهزوما، فلم يلبث إلا يسيرا حتى أتته الأخبار باقبال الموفّق، ولم يكن لعلىّ بعدها وقعة، حتى فتحت سوق الخميس وطهيثا على الموفّق؛ على ما نذكره إن شاء الله، فكتب إليه صاحبه يأمره بالعود إليه ويستحثه حثا شديدا.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.