من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ما فرضه قرمط على من دخل في دعوته واستجاب له وكيف نقلهم في استئصال أموالهم من اليسير إلى الكثير حتى استقام له أمرهم
كان أول ما ابتدأ به أن فرض عليهم وامتحنهم بتأدية درهم واحد، وسمى ذلك الفطرة من كل رأس من الرجال والنساء والصبيان فسارعوا إلى ذلك، فتركهم مديدة ثم فرض عليهم الهجرة، وهو دينار على كل رأس أدرك الحنث، وتلا عليهم قوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
، وقال: هذا تأويل هذا، فدافعوا ذلك مبادرين به إليه، وتعاونوا عليه فمن كان فقيرا أسعفوه، فتركهم مديدة ثم فرض عليهم البلغة: وهى سبعة دنانير، وزعم أنّ ذلك هو البرهان بقوله تعالى (قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)
، وزعم أنّ ذلك بلاغ من يريد الإيمان والدخول في السابقين السابقين- «أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ»
، وصنع لهم طعاما طيبا حلوا لذيذا وجعله على قدر البنادق، يطعم كلّ من أدّى إليه سبعة دنانير واحدة منها، وزعم أنّه طعام أهل الجنّة نزل إلى الإمام، واتخذ ذلك كالخواتيم ينقل إلى
الداعى منها مائة بلغة ويطالبه بسبعمائة دينار، فلما توطأ له هذا الأمر فرض عليهم أخماس ما يملكون وما يتكسبون، وتلا عليهم قوله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ...)
الآية فقوّموا جميع ما يملكونه من ثوب وغيره وأدّوا خمسه إليه، حتى كانت المرأة تخرج خمس ما تغزل، والرجل خمس ما يكسب، فلما تمّ ذلك له واستقرّ فرض عليهم الألفة، وهو أن يجمعوا أموالهم في موضع واحد وأن يكونوا في ذلك أسوة واحدة، لا يفضل أحد منهم صاحبه وأخاه في ملك يملكه، وتلا عليهم قوله تعالى (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً)
، وتلا عليهم قوله تعالى (لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
، وعرّفهم أنّه لا حاجة بهم إلى أموال تكون معهم، لأنّ الأرض بأسرها ستكون لهم دون غيرهم، وقال لهم: هذه محنتكم التى امتحنتم بها ليعلم كيف تعملون، وطالبهم بشراء السلاح واعداده، وذلك كلّه في سنة ست وسبعين ومائتين.
وأقام الدعاة في كل قرية رجلا مختارا من ثقانها، يجمع عنده أموال أهل قريته من بقر وغنم وحلى ومتاع وغيره، فكان يكسو عاريهم وينفق عليهم ما يكفيهم، ولا يبقى فقيرا بينهم ولا محتاجا ضعيفا، وأخذ كل رجل منهم بالانكماش في صناعته والتكسب
بجهده، ليكون له الفضل في رتبته، وكانت المرأة تجمع إليه كسبها من مغزلها، والصبى أجر نطارته الطير، فلم يملك أحد منهم إلا سيفه وسلاحه، فلما استقام له ذلك كلّه وصبوا إليه وعملوا به، أمر الدعاة أن يجمعوا النساء ليلة معروفة ويختلطن بالرجال، وقال: إنّ ذلك من صحة الودّ والألفة بينهم فربما بذل الرجل لأخيه امرأته متى أحبّ فلما تمكّن من أمورهم ووثق بطاعتهم وتبيّن مقدار عقولهم أخذ في تدريجهم إلى الضلالة، وأتاهم بحجج من مذهب الثنويّة فسلكوا معه في ذلك، حتى خلعهم من الشريعة ونقض عليهم ما كان يأمرهم به في مبدأ أمرهم من الخشوع والورع والتقى، وأباح لهم الأموال والفروج والغنى عن الصوم والصلاة والفرائض، وأنّ ذلك كلّه موضوع عنهم وأن أموال المخالفين ودماءهم حلال لهم، وأنّ معرفة صاحب الحق الذى يدعو إليه يغنى عن كل شىء، ولا يخاف معه إثم ولا عذاب.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع